أين جيم هاريسون؟

العودة إلى لوركا

 

عندما قُتل لوركا

أمروه أن يستديرَ ويخفضَ نظرَه

 بعيدًا ناحيةَ غرناطةَ في سفح المنحدر الجبليّ.

الوداعَ يا وطني. رشقوا ظهرَه بالرصاص كالمعتاد،

والمؤخّرةَ أيضًا لأنّه كان مثليَّ الهوى. تشظّى جسدُه

مع دويّ البنادق وكان على عائلته لاحقًا

أن تجمع أشلاءه المتناثرة في المنحدر تجهيزًا لدفنه.

يا لَه طائرًا نادرًا. كان الأمرُ أشبهَ بإطلاق النار على

آخر بَلَشونٍ أزرقَ في عائلة مالك الحزين. هنالك الآن

في المكان ذاته ساعةٌ شمسيّة. شَرِبنا روحَ زجاجةٍ من صنع كريستين

اسمها ميموار. وشَرِقتُ بالنبيذ والدمع.

في مراحلَ من العمر كان هو شاعري المفضّل

أَرُوحُ منه مذهولًا كمن مسّه نورُ القمر.

مشيتُ على طول نهر الوادي الكبير في إشبيليه

ورأيتُ ظلَّه الأبديَّ رقراقًا

في الماء، وموسيقا چيتانو الغجريّةُ تقبض

القلبَ وتنسفه. ظلَّ النهرُ يحملُ بنفسه أشباحَ الموسيقا إلى المحيط.

وفي البحر المتوسّط سمعتُ صوتَه طافيًا على الماء.

 

 

مستشفى

 

كنتُ في حقل القمح منغمرًا إلى الصدرِ والريح تهبُّ في دوائرَ متألّقة. فتاةٌ على ظهر حصان عبرتْ على طريقٍ وكانت رائحةُ الحصان حلوةً مع القمح. تباركتْ رائحةُ الجيادِ في هذا العالم المرير.

 

 أمكنني أن أرى المستشفى في الأفق البعيد وتخيّلتُ الجرّاحين في القبو يسنُّون سكاكينَهم. غدًا سيشقّون فيّ جرحًا من عظمِ العنق إلى عَجْبِ الذنب كي يصحِّحوا عيوبًا غامضةً تمنعنني من المشي. أريد أن أمشي كبقيّة الأطفال في الحقول رفقةَ كلبي النبيل.

 

لم تتحسّن حالتي بعد الجراحة فأرسلوني إلى مايو كلينيك في مينيسوتا، بنتاغون ضخمٌ للمعدّات الصحيّة. في طائرة إسعاف أكلتُ شطيرةً سيّئة جريًا على عادة الطعام السيّء الذي تقدّمه المستشفيات إلى أن أتتني سكرتيرتي بوجبةٍ من مطعمٍ قريب.

 

بِتُّ أغنّي في كلّ ليلةٍ على أنغامٍ مقروحةٍ آتيةٍ من ردهاتٍ لا متناهية، مع ألف صفيرٍ يصدر عن الأدوات الإلكترونيّة، مع الأشخاص الذين يدخلون غرفتي لإجراء "فحوصات". كنت قربانًا أبديًّا على مذبح الطبّ. لا نبيذ ولا سجائر- ليس سوى المريضِ مُمزَّقِ القلب.

 

فتاةٌ جميلةٌ اسمها پايتن لا يمكنها المشي. أرتعدُ كلّما مررتُ بغرفتها.

 

في ليالي الأرق الطويلة أتأمّل عبر الباحة تمثالَ القدّيس فرانسيس مُضاءً بعناية. لستُ كاثوليكيًّا ولكنّه حملني مع الطيور على كتفيه. ذات ليلةٍ حطّ كوكبُ الزُّهرةِ من دون ترحابٍ على عنقه. لم يكن فرانسيس لَبِقًا مع الزُّهرة. لا أظنّه عرف امرأةً من قبل. رأيت الشيء ذاته في أربونة، فرنسا، حين في ليلةٍ حلّقتْ أسرابٌ من مليون طائرٍ أسودَ فوق القناة تأهُّبًا للرحيل جنوبًا عبر البحر المتوسّط. كانت الزُّهرةُ تبدو ضبابيّةَ الملامح على رأس الكاتدرائيّة.

 

يوجعني عمودي الفقريُّ بطولِهِ. أعصابي كذلك ملتهبةٌ، عقوبةً لي. كان فرانسيس يسمع توجُّعي أكثر ممّا يسترعيه توجّعُ پايتن. لا أحسبه يهتمّ لجمالها. لا وجود لمسابقات جمالٍ بين طيوره.     

 

البارحةَ آخرَ الليل طرقتْ مسمعي ثلاثيّةُ موتسارت الأخيرة، دغدغةٌ ناعمةٌ للعمود الفقريّ، مثلَ إحساسي ليلةَ سمعتُ ثلونيوس منْك في غراند سنترال. هناك عواطفُ كثيرةٌ على الأرض، خصوصًا ما يعلق منها هنا حيث لحظةً بلحظةٍ تمورُ فيّ العواطف. قيل لي إنّ هذا المكان ذائعُ الصيت، قيل لي إنّه محطّ إعجاب العالم، رغم أنّ موجات دماغي تقول غير ذلك. الممرّضات لطيفات أمّا الأطباء فميّالون للتعالي ومأخوذون بأنفسهم. مريبٌ أن ينشغل مئات الأطباء من حولك في البحث عن خطأٍ ما.

 

ها قد دخل خِلسةً غُولُ الاكتئاب العجوز. أردت النوم على الأرض لكنّي كنت متجمّدًا في سريرٍ كهربائيّ. بدأتُ أتوهّم أشياءَ وعند نقطةٍ ما كنتُ مع حفيدي في باريس أشتري الأجبان من محلّي المفضّل لبيع الأطعمة. في ليلةٍ أخرى كنت أنوح وما وعيتُ إلا على الممرّضة تهزّني لأستفيق. "إنّني أحتضر،" قلتُ. "لا، لن تموت، كنتَ تنتحبُ فحسب." أكلتُ تفّاحةً وعدت إلى التحديق في القدّيس فرانسيس وطيورِه. بلا طيورٍ أنا ميّت. إنّها علاجي الذي يجعلني على أُهْبةِ تحليق. درستُ آلاف الأنواع من الطيور، حتى وهي في المطر حينما تغدو أكثرَ وداعةً على الأغصان.

 

ما النواح؟ نغمٌ مستوحى من الموت. كم هو موجعٌ أن تسمع الأصوات في جناح الأطفال- صغارٌ في البراءة يصرخون باكين. وأنا متلبّسٌ بالجُرم في حياةٍ طويلة.

 

أريد أن أكون آلةَ تشيلو. أسمعُ آلاتِ التشيلو عندما أذهب لصيد السلمون المرقّط. الضفافُ الخضراء بزهورها البريّة تجذب الكمنجاتِ الجهيرةَ وآلافَ الطيور، كثيرًا من الطيورِ الهوازجِ عذبةِ الصوت وعصافيرِ الغربِ الملوّنة. هل تراني أذهب للصيد من جديد بهذا الظهر المقصوم؟ كأنّما أثرُ الجراحة عضّةُ كائنٍ أسطوريّ.

 

هناك مكانٌ في أعماقنا للبكاء على الآخرين. وجدتُّه ليلًا بعينين نهاريّتين، يدير الذكرياتِ طازجةً حتى إنّك لتشمُّ الألمَ فيها نَيْئًا وداكنًا. هذا الدبيب العظيم لمرضى يتحرّقون شوقًا للعالم في الخارج، للنزهةِ في غابةٍ بجوار بحيرة، للهواءِ حافلًا بالطيور في الخضرة. القدّيس فرانسيس غافٍ على شجرة، بلبلٌ أصفرُ حطّ على كتفه. لا سبيل للخلاص من هذا السجن الذي شيّدناه بغير ما حكمةٍ، جحيمًا من القبح. أغلبنا يريد الحياة. لا أطيق الموت وأنا أرجو الذهاب ثانيةً لأربونة، لغرفتي الخاصّة حيث أكتب كثيرًا. لقد شقّوا فيَّ جرحًا طويلًا ولحسن الحظّ خاطوني من جديد. في المستشفياتِ نحن غالبًا أنظمةُ صرفٍ صحيٍّ مُتقنة.

 

أحتاج مكاني السريَّ في شبه الجزيرة العليا قربَ بحيرة سوپيريور. أيكتي السمراءُ يغطّيها الشتاء. إنّه الليل هناك غير أنّي أستطيع أن أشاهد الحيوانات المارّةَ بالجوار، غزالًا، دبًّا، بل حتى الأباسيم، التي أحبّ خنوعها. الأيكةُ مغمورةٌ بالطيور، على بعد إنشات قليلة من عيني السليمة. فرانسيس كان سيحبّ هذه الأيكة. ربما أصطحبه إليها يومًا ما. وأعزُّ ما هنالك أصلُ شجرةٍ في وَهْد أستطيع أن أزحفَ إليه وأجلسَ فوقه. عرشي على الأرض، كنيستي الوحيدة. مُقامُ الآلهة.

 

كيف الخروج من هذا المستشفى؟ خطّطتُ ثلاثَ مرّات كي أغادر وفي كلّ مرّة يرفض طبيبٌ أن يوقّع على خروجي. أنا متلهّف للبيت ولزوجتي الحبيبة. وهم يريدون إبقائي هنا رغم أنّ المغادرةَ يُفترَضُ أن تكون اختياريّةً. أخيرًا صديقٌ من كاليفورنيا أرسل طائرةً وأنقذني. صعدنا على متنها أنا وابنتي، وسكرتيرتي وابنتها، وحلّقنا عائدين إلى مونتانا.

 

فسحةٌ خضراءُ من عشبِ سَبخة ناعمٍ قربَ بِرْكةٍ في جدول. هناك دزينةٌ من أشجار البتولا البيضاء وأنا أتقرفص في العشب. في اليوم الأخير رأيتُ قطرةَ دمٍ على آجُرّة. احترسْ، فما أسهلَ أن يَنِزَّ منّا الدم.

 

 

أين جيم هاريسون؟

 

هوى من جُرْفِ مقعدِ زاڤو بطول سبعة إنشات.

لم يستطع النهوض بسبب جراحته.

يؤمن بالبعث غالبًا

لأنّ أحدًا لم يعلّمه قطُّ كيف لا يؤمن.

 

 

حزامٌ ناريّ

 

عملي يتراكمُ،

أترنّح مريضًا.

الوقتُ يُسرِع باتجاهي-

إنّه بلا كوابح. مع ذلك،

 فالفجلُ طيّبٌ هذا العام.

مَرِّرْهُ على الزّبدةِ،

أضِفْ إليه رشّةَ ملح.

 

 

ابن سبعة أعوام في الأحراش

 

هل أشبه عمري؟

ربما لا. فالزمان سرٌّ غامضٌ

في وسعه أن يقلبنا رأسًا على عقب.

أمسِ كنتُ ابنَ سبعةِ أعوامٍ في الأحراش

وضِمادةٌ تغطّي عيني العمياء

في مفرشٍ صنعته لي أمّي

كي أنامَ عليه في الغابة

بعيدًا عن الناس. أفعى رباطٍ زحفتْ بالقربِ

دون أن تنتبهَ لي. قَرْقَفَةٌ حطّتْ على إصبعِ رجلي،

خفيفةً جدًّا، فلستُ أصدّق أنّها هناك.

كان الليلُ طويلًا وأعالي الأشجار مُثقلةً

بمليونِ مليونِ نجمة. من تراني

كنتُ، نصفَ أعمى على أرض الغابة

من تراني كنتُ في السابعةِ من العمر؟ بعد ثمانيةٍ وستين عامًا

لم أزل قادرًا على أن أسكن جسدَ ذلك الصبيّ

دون أن أفكّر في حساب السنين.

إنّه عبءُ الحياةِ أن تكون أعمارًا عديدةً

دون أن ترى نهايةَ الزمان.

 


جيم هاريسون :

جيم هاريسون (١٩٣٧-٢٠١٦) شاعر وروائي أمريكي. القصائد المترجمة أعلاه من ديوانه Dead Man’s Float الصادر قبيل وفاته، وهو ديوانٌ يشبه في أجزاء كثيرة منه مرثيّة ذاتيّة، أو وداعيّتَه الخاصّةَ للعالم.