مع طائر في محنته

مع طائر في محنته

 

قد يكون هناك من يستطيع مساعدته. كأن يعيد إليه صوت الذي رافقه في حياة سابقة، كان الصراخ فيها هو السبيل الوحيد للغناء. هو ينصت دائما إلى الطيور التي تغني بالقرب منه، ولا يتذكر صوته الذي، ربما، كان يشبه ثغاء ماعز جبلي، بالغ في إعجابه بنفسه، ثم سقط على قرنيه. مرة أعجبه صوت البلبل؛ فأخذ يمرّن حنجرته على إحدى جمله العذبة، ويظن أنه بلبل. بلبل ينقصه بستان عنب، كي يثقب بمنقاره الحاد عددا من العنبات، قبل أن يكرع منها. كثيرة هي الطيور التي سمع غناءها، وشرع في محاكاتها. وعندما يأوي إلى العشّ، فرحًا بلُقْيَتِه من الأصوات الجميلة، يستيقظ من نومه وقد عادت إلى أصحابها. لا حدّ لنهمه في أن يكون له صوت، ككل الطيور التي تعبّر عن نفسها فوق الأغصان. إلا أنه كان مجرد طائر، عبر إلى حياة أخرى، بلا نوتة موسيقية، يمكن أن تذكّره بصوته المفقود.

 

 

يحدث في أفلام كرتون

 

يسقط توم من علوّ شاهق ولا يتكسر. تدهسه شاحنة حتى يتساوى مع الإسفلت، ثم ينهض مرة أخرى. القط الغبي الذي يقع في شر أعماله، وهو يطارد الفأر الذكي والمراوغ. كل المصائب تقع على رأس توم، وجيري في جحره ينعم بنوم مريح. سيدة المنزل توبخ توم بمجرد أن تقع عينها على الفوضى العارمة. توم عاجز عن الدفاع عن نفسه، ويتلقى سيلا من الإهانات. المشاهدون يتعاطفون، دائما، مع جيري ويكرهون توم؛ لأنه قط شرير، ويتدخل فيما لا يعنيه. لم لا يترك الفأر وشأنه؟ لماذا يصر على القيام بالمهام المناطة به، وهو مكروه إلى هذه الدرجة؟ لم لا يكون كسولا، ويتحول إلى قط سمين، لا هم له سوى الأكل والنوم؟ أسئلة كثيرة يمكن طرحها حول سلوك المسكين توم. القط الذي أريد له أن يكون بائسًا، وأن تضحك على بؤسه الأجيال.

 

 

شهادة على الفيس بوك

 

وحده في الحلبة. الحلبة المسيجة بحبال يفكر بتجاوزها. في الصباح ينهض متثاقلا، ثم يقرر شيئا. أن يرتطم بالحبال أولا، ثم يرى ماذا يحدث. سبقه جيل من المغامرين الذين ارتطموا بالحبال، ثم قفزوا خارجها. هو ينوي محاكاتهم، والسير على الطريق التي سلكوها. كل يوم يرتطم بالحبال التي تقذفه إلى المركز تماما. محاولات فاشلة لم تثمر عن شيء. جرب كل الطرق التي يمكن أن تحقق حلمه. المتابعون خارج الحلبة يشفقون عليه، وهم يراقبون حركاته البهلوانية. هناك من يصفق لمحاولاته على استحياء، ويتمنى أن يفعل مثله. صار كالثور الذي ينطح الهواء، على أنه خرقة حمراء. يريد أن يصبح شهيدا، ولم يلتفت إليه أحد. يريد أن يعترف به الأخ الأكبر؛ ولكنّ مغامراته تأخرت عقدين.


عبدالرحمن الشهري :

عبدالرحمن الشهري شاعر من السعودية. صدر له في الشعر كتاب بعنوان "أسمر كرغيف" (٢٠٠٤) و "لسبب لا يعرفه" (٢٠١٢) ثم "صعود متأخر" (٢٠١٦).