استحضار العطب عبر التناصّ

عزيز محمد. الحالة الحرجة للمدعو "ك". دار التنوير، ٢٠١٧م. ٢٦٩صفحة.

 

ينتاب الفارغَ من قراءة رواية "الحالة الحرجة للمدعو ك" شيءٌ من الرهبة، ذلك أن في العمل تقاطعاً خلاقاً وغيرَ مسبوق مع سيرة كافكا وأدبه، من دون أن تبدو معالجة الكاتب لروح الشخصية الكافكاوية وقوامها الرمزي مفتعلة. يجيء التناصّ مع كافكا بدايةً بالاسم الذي أطلقه الكاتب على الشخصية الرئيسية في العمل "ك" والذي يُحيل إلى شخصيةٍ بالاسم عينِه في رواية "المحاكمة" لرجل يجد نفسه مضطراً للدفاع عن براءته دون أن يعرف التّهم الموجهة إليه، مروراً بإصابة الشخصية الرئيسية بمرض السرطان في رواية عزيز محمد، والذي يتقاطع كما نقرأ مع إصابة كافكا بالسّلّ، أو حتى مع انمساخ غريغور سامسا في قصة كافكا الشهيرة الأخرى. النتيجة واحدة مع سامسا في "الانمساخ" و "ك" في "الحالة الحرجة"، إذ تترك العائلةُ الابنَ لمصيره الخاص، فينفق الأول بعد التخلي عنه، ويواجه الآخر وحده تحدياتِ مرضه الخطير فيما تنشغل العائلة بحفل زفاف ابنها الأكبر. ليس هذا فحسب، بل إن الأنظمة السلطوية التي كافح ضدها كافكا في مطلع القرن العشرين، خصوصاً في عمليه السابق ذكرهما، تمتدّ إلى رواية عزيز، ضمن إطار الحياة المعاصرة، بعد أن استفحلت لتفرض سلطتها على كل جوانب الحياة اليومية.

إن سامسا، الشخصية الرئيسية في رواية "الانمساخ" يتمنى فعلاً لو أنه تحول إلى حشرة ضخمة كيما يبرر غيابه عن العمل أمام مندوب الشركة الذي يزوره في البيت لمعرفة سبب تغيبه. يتمنى أن يكون معرّضًا للهلاك على أن يكون قد قصّر في عمله. وهذا تماماً ما يعيشه "ك" في حالته الحرجة، بداية من تلك الملصقات الصفراء المزعجة التي يتركها المدير على شاشة حاسبه الآلي الخاص بالعمل قبل وصوله، وحتى العقبات التي يضعها نظام الشركة أمام استقالته بعد أن يُصاب بالمرض. بل إن شعوره بالعجز أمام سلطة النظام يمتد شاملا إجراءات المستشفى. "إنه من المدهش أن تجد البيروقراطية طريقها لهذه المؤسسة أيضاً" يقول "ك" في المستشفى، ويكمل: "لعل المرء لا يتحرر أبداً أينما ذهب، فحتى موتك لا يتم إلا بأوراق موقّع عليها تثبت وفاتك." إن مثلث علاقة كافكا بالذات والأسرة والنظام هو ذاته الذي يتحقق مع "ك" في الحالة الحرجة.

 

غلاف الرواية

 

يبدو "ك" واعياً بهذا التقاطع مع كافكا، كما نقرأ من خلال مذكراته، بل إنه يستمد من هذا التشابه في ظروفهما نوعا من السلوى. يفصح مرّة: "إن كافكا، حين تحبطني صورة كل الكتاب الآخرين، هو عزائي الوحيد." فمشاغل كافكا الوجودية التي يعبّر عنها في يومياته، المتجسدة بشكل رئيس في إحباطه المستمر من مستوى كتاباته وقلّة تجاربه وعجزه عن التحرر، تعبّر بدقة عما يشعر به الموظف العشريني الذي يكتب مذكراته في "الحالة الحرجة"، من دون أن يفقد هذا الأخير خصوصيّته بوصفه حالةً فريدة ومستقلة، حالةً تعبر عن طابعها الزماني والمكاني من خلال إعلانها القطيعةَ معه، وتكثف حضور الواقع من خلال تعلّقها بخيالها الأدبي. حتى على مستوى الأسلوب، لا يقدّم العمل نفسَه مجرد محاكاةٍ لكافكا أو امتدادٍ للسحر الذي يكتب به، كما فعلت كثيرٌ من الأعمال المتأثرة بكافكا من قبله. لقد وُفق عزيز محمد في تقديم تعبيراته الشخصية وإيجاد الانطباعات القوية التي لا صعوبة في النظر إلى أصالتها، فهي لا تتبنى أقوالا مرتبطة بتحديد ما ينبغي وما لا ينبغي فعله في الحياة، ولا تلتزم بالمعادلات المتوقعة حول الطريقة التي يجب أن يُعبر بها عن هذه الحياة في الأدب.

تسير الرواية إذن في اتجاه معاكس للاتجاه الذي تتبعه الروايات العربية التقليدية التي تعاني شخصياتها صراعاتٍ مشابهة، بقدر ما أن "ك" بطلَ الرواية يسير في الاتجاه المعاكس الذي يتبعه عادةً المصاب بالسرطان، والذي يطالب فيه بأن يكون على قدر كبير من التحدي، بل وتجاوز هذا المرض بزهو بالغ. وبالتالي فإن الأسلوب الأدبي الذي يعلن قطيعته مع الكتابة الأدبية التقليدية يتوافق مع رغبة "ك" بالتمرد على الحالة التقليدية التي يجب أن يظهر عليها مريض السرطان. يقول إذ يكتشف القدرة التحررية التي يمنحه إياها المرض: "بإمكان المرض أن ينال مني، وسأكون سعيداً بهذا، طالما ظل يمنحني المكنة على أن أنال من أي شيء آخر." لكن موقف "ك" من المرض يتغير باستمرار على امتداد الرواية، فتارةً يتقوى بالحرية التي تمنحه إياها إصابته بالسرطان، وتارة تغلبه محدودية قدراته الجسدية وقدرة المرض على إهلاك طاقته. مع الاستمرار في تطور الأحداث يشعر القارئ أن الرواية ليست رواية عن رجل يصاب بالسرطان فحسب، بل هي رواية عن عبثية الحياة بكل تقلباتها، وعن الرعب والغثيان الذي ينجم عن العيش، وكذلك عن السخرية والتهكم الذي يثيره مثل هذا العبث. كل هذا يعبّر عنه عزيز بنعومة فائقة، فلا يلجأ في لغته إلى الأساليب البلاغية لتزويق الكتابة، ولا يبدو متكلفاً في صياغة الجمل، بل ينثرها سهلة سلسة بسيطة، إلا أنها تقبض على جمر المعنى في أشد لحظات توقده، ليكون شبيها تماما بما قاله إميل زولا في ستندال: "ليس ستندال عظيما اليوم حقا إلا لأنه في سبعة مشاهد أو ثمانية تجرأ وجلب النغمة الحقيقية، أي الحياة بكل ما هو أكيدٌ فيها."

لم تظهر اللغة في الرواية بغنائية فجة، بل بما يعتمل بنية هذه اللغة من إيحاءات تمكنت من القبض عليها وتكريسها. لقد استطاع الكاتب أن يمثل من خلال أسلوبه أبسط الإيماءات التي تعكس أحلام الشخصية وذكرياتها، مبتكرا لغة خاصة جديدة. حيث يلتقط عبر كتابة فائقة الحساسية هذه الإشارات ويوظفها في كتابته، لتصبح بمثابة طاقة خاصّة بالنص وحده. لتبدو هذه الفكرة واضحة، يكتب عزيز "أشغّل قائمة الأغاني المفضلة، لم أستمع لها منذ وقت طويل. أتحسن قليلاً حين تبدأ الملحمة البوهيمية، بعد دقيقتين تصل الأغنية إلى ذلك المقطع: (فات الأوان، لقد حان وقتي، في ظهري قشعريرة وجسدي يؤلمني طول الوقت) وتغرورق عيناي بالدموع. ثم يرفع ميركوري صوته إلى أقصاه: (أماه لا أريد أن أموت، لكن أحياناً أتمنى لو أني لم أولد على الإطلاق) وأنفجر في بكاء مرير." أليست هذه إشارة الى روح الانكسار والوصول إلى الانهيار والتسليم بالخسارة، من دون أن يضطر البطل إلى استحضار مفردة الخسارة؟ إن عزيز محمد في "الحالة الحرجة للمدعو ك" يثبت لقرائه الذين واظبوا على متابعة تدويناته الإلكترونية أمارات التميز، فمن العمل المطبوع الأول يظهر لنا بخصوصيّة قد لا تشبه عملا عربيا آخر.


أمل السعيدي :

كاتبة وإعلامية من سلطنة عمان.