ظلما

عمره ١١ سنة. نشرت وزارة الداخلية في نشرة أخبار التاسعة الصور التخيلية للمشتبه بهم في تفجير العليا عام ١٩٩٥، مرسومة بالقلم الرصاص، وتتخللها لقطات التفجير. يستلقي على سريره –في الغرفة الصغيرة التي استقل فيها منذ أيام فحسب– والظلمة دخان يتكوم حول وجهه، وفي صفحتها عديمة الملامح والعمق تلمع فجأة حوافّ الأوجه المرسومة، عديمة اللون والتفاصيل، مثل شيء مرعب وغامض يتلصص وراء قطعة من الظلام بجانبك وينتظرك أن تلتفت نحوه كي ينقض عليك. لذا لا يلتفت، ويستمر مغمضا عينيه، ولكن ظلام انعدام البصر شبيه بالظلام الذي في وجوده، وصمتُ الشتاء المتحرر من ضجة المكيفات المنومة يصفّر في أذنه، وتنشأ تكتكة جَرسية في قلبه، ويختبر شعورا غامضا بالخوف لم يخبره من قبل. حينما سمع بالخبر لأول مرة كان يلعب في الحارة، وبين أصابع قدميه تتيبس جروحٌ أحدثها الإسفلت، وفوق جلده عرق لم يبرد بعد، وعلى جسمه الهزيل عروق رجولية بدأت تتفتق. لم يفهم ما الذي يعنيه الخبر، ولكنه فهم حينما رأى الصور، والحاجة الماسة لمعرفة أشخاص غامضين وخطيرين لدرجة أن أوجههم تُنشر هكذا بلا ملامح، مجرد حواف، تقرض ظلمة غرفته وتتلصص حوله. لم ينم تلك الليلة جيدا.

 

ثلاث غرف، اثنتان متجاورتان، وأخرى قديمة طارفة، على حافة مزرعة مهجورة تبعد ١ كم عن طريق سدير القديم. لا أضواء. حينما يحل الليل، تندمج الغرف الثلاثة في الظلام، ويُخيّل للمارّ أنه ربما يتخللهما كما يتخلل الظلمة التي تتناثر نهراً على جسده. يزور والدته في مستشفى المجمعة كل نهار، ترقد في العناية المركزة. تفتح عينيها أحيانا، وتسأله: من أنت؟ يقول اسمه وصلة قرابته بها، فترد بآهة استذكار. تسأله: وين أخوانك وابوك؟ فيقول: محسن للحين في حايل، الباقين ميتين. تحدق فيه بتكشيرة، ثم تغمض عينيها، وتختفي. أما الليل فيقضيه هنا. أخذ إجازة من دوامه في القوات البرية وعاد إلى الديرة. يُشعل مصباحين في الليل، ماطور الكهرباء القديم لم يعد يعمل بالطبع. جلس في البيت أول الأمر، مشمس تغسله صفرة فاقعة في وسط النهار، ومخطط في الليل بأضواء عواميد الكهرب الشاخصة بجانبه. في اليوم الثالث جاء أخوه عبدالمحسن الذي يكبره بتسعة أعوام. لم يره منذ ثلاث سنوات، لا يتوالفان. لقد وقف مرة خارج غرفته في الليل، قبل أن يتزوج وينتقل إلى حائل، ممسكا بمسدسه، في هدأة الظلمة الشتوية، ويفكر جديا في أن يدخل ويطلق النار على رأسه الغارق في النوم. في ليلة مجيئه هذه من حائل فعل الشيء نفسه، إلا أنه هذه المرة وقف فوقه، ورآه يتنفس فاغرا فمه ومطلقا جسده للأحلام، بينما يمسك هو بمسدسه، فوقه. ولكنه صرف النظر وخرج من المنزل نحو المزرعة، ولم يعد. في السهل الممتد هنالك ذئاب تأكل غنم جاره البعيد في الخفس، رجل في السبعين يعرفه مذ كان طفلا يجيء إلى هنا مع والده، اشتكى له: عجزت عنهم ذا الملاعين، يزوغون مثل الدخان. يدخنان في مزرعته المثمرة تحت ظلال نخل طويل على دكة ترتفع عن الأرض مترا في مسار الساقي الذي يرطب كل نسمة باردة ويختلط برائحة الثمر والأغصان والروث والوبر. أخذ بندقيةً عمرها خمسون عاما، وخرج نحو السهل المستوي بتلال صخرية قليلة. ينبطح خلف شجرة أرطى كبيرة، يصوب السلاح بدقة، ويرسل رصاصة تسابق الصوت إلى الرأس، ويرى رسم جسد الحيوان القوي يهوي ويستوي في التراب. كان يخرج مع أخيه سعد الذي يكبره بعامين إلى البر، ويصيدان. سافر أخوه لاحقا إلى العراق، ورآه في مقطع فيديو نشرته القاعدة على الإنترنت وهو يقطع رؤوس ثلاثة أسرى أمريكيين، ثم علموا لاحقا أنه مات في انفجار. كانا فوق نقرة نفود، ثبّت له البندقية في يده، عمره ١٤ سنة تقريبا، وجّهها إلى الغزال، وشرح له أن ارتعاشة يده نابعة من ارتعاشة ساعده المتصلة بكتفه المتصل بظهره المتصل بكافة جسده، وأن الاسترخاء لا يكون لعضو واحد فقط، وإنما للجسم بأكمله، ولذا عمل على ذلك، بدأ عملية إرخاء جسده من أصابع قدميه، إلى ساقيه المندلقتين على الرمل، إلى فخذيه الدافئين، نحو ظهره المتقشر بالعرق البارد، وحتى وصل إلى أذنيه، وهو يسمع صوت وشيش الصحراء من حوله محددا ومميزا، وأخيرا نحو عينيه وهو يرى الأشياء ثابتة مثل الرسمة أمامه، وأحس في تلك اللحظة بكل عضو في جسده، يطفو بخفة. وحينما أطلق الرصاصة، لازال يتذكر صوتها العالي في أذنه ودخانها أمام عينيه ورائحتها في أنفه، سقط الغزال، هكذا، وكأنه أرسل تعويذة شيطانية لا ترى. أعطاه سكينا والغزال لازال يرمش. ذكّاه. دفقة الدم على يده، لزجا وحارّا، يصبغ الجلد ويتخلل الشعر الرقيق، ويستحث شعورا لذيذا ووحشيا. صاد ذئبين حتى هذه اللحظة. لم يعد يذهب إلى المستشفى إلا صباحا لمدة نصف ساعة، يجلسها ناعسا على كرسي أمام السرير، ثم يعود إلى المزرعة والغرف الثلاثة. إحداها أقدم من والديه اللذين عاشا طفولتهما هنا في هذه المزارع المتجاورة على امتداد سدير، يبلغ عمرها ١٠٠ عام تقريبا، تملؤها كتب كثيرة عتيقة، دفتاها من الجلد وأوراقها صفراء وكثير منها متآكل، تعود لعمّه الذي لم يجد لها مكانا في بيتهم حينما انتقلوا إلى المدينة، وصار يجيء إلى المكتبة هذه كل يوم، ليجلس هنا بالساعات. يحمل اسمه نفسه، توفي وهو في الثالثة والعشرين. يقولون إنه كان عبقريا ومثقفا ومختلفا عنهم ومهيأ لأشياء عظيمة. يجلس في تلك الغرفة أحيانا، مليّصة بمستطيلات البلوك الاسمنتية غير مصبوغة، بين تلك الكتب المركونة على تخشيبات الحديد، أمام طاولة يملؤها الصدأ، ويغفو، ورائحة الرثاثة والغبار والموت ترافقه إلى الحلم، ثم يخرج ليقتل كل حيوان يصادفه حتى الليل ويعود إلى الغرفة الأجدد، يقلب في تلك الكتب المملة الغامضة التي تزوّد بها من هناك، ويشرب الشاي الثقيل مثل دم الكبد الأسود، ويسقط في غفوات طويلة متقطعة. حينما جاءه الاتصال من المستشفى، كان قد توقف حينها عن الذهاب إلى هناك. أكل غداءه، ثم ذهب. ثوبه ملطخ بالدم، نسي أن يغيره. جلس في الرواق السيراميكي، حيث أصوات الطنين والخطوات، ثم سمحوا له بالدخول عليها ورؤيتها. جاء أخوه من حائل، ودفنوها في الغد. حضر الصلاة قرابة ٥٠ شخصا، ثم أقفلا البيت وعادا إلى الرياض وحائل.

 

"الليل ليل صيف ما به حبة غيم ومن فوقك النجوم والقمر، النخل مع الهوا، وصوت الساقي تسمعه قبل اللفة، ثم إذا لفيت تصادفها، واقفةٍ على طرف الما، ونور الكشافين المعلقين على جدار الغرفة تنوّرها. أنا دون الثمان سنين وهي فوق الـ١٩ يمكن، ما عليها إلا شلحتها البيضا وتلمح قميصها منطولٍ جنبها، ومن ورى القماش الرهيّف تشوف رسمة ظهرها وحواف مقفّاها، ممطوطة من تالي رجلها إلى قنة راسها ولا فيها سفطة جلد كلها قطعة لحمٍ وحدة، فِتيّة ونشيطة، ورقبتها تلمع من ورى خصلات الشعر الرابص. تهزع يمّ الأرض عشان تلقط لها شيٍ من طرف الساقي، ويختفي عاليها ورى أسفلها، وما عاد تشوف منها إلا مَدّة الساقين تعرض مع الفخذين وتكبر ألين تبروز القفا اللي غدى رسمة قلب، ثم تعتدل والقماش الأبيض الرهيف يتجمع على آخر الظهر. صوت النخل، صوت الساقي، صوت العصافير. تهزع مرةٍ ثانية، وتغرف بيديها ماً تغسل به وجهها، ما بيني وبينها إلا خمسة أمتار، خمسة أمتار أشوفها الحين في التراب اللي بيني وبينها، وأقسم بالله العظيم اني أشم ريحتها، أشم ريحة جلدها الرطب، ريحة صدرها ريحة بطنها ريحة أبطها ريحة ظهرها ريحة كسها ريحة أثمها، ريحتها الرطبة مع موية الساقي والزرع والتراب والسما، تلف راسك لف وتحس ان من ظهرك يولد رجال". يطرق لحظة رافعا حاجبيه بخمول، ثم يكمل ضاحكا: "والله اني حبيتها صدق بدون مزح وانا بزر. ويوم أعرست كرهت رجلها ويوم جابت عيال كرهت عيالها ويوم ماتت خاشرت أهلها في ضيقة الصدر." يجلس في خيمة، وسط صحراء، مضاءة بكبسين صغيرين معلقين في الوتد. ثلاثة أشخاص ينتثرون بتبطل عشوائي في المكان، ودخان الشيشة عالق في الهواء، ورائحة العرق تفوح أقل منها. قال أحدهم منسدحا على مركى: الله يلعنك، راح عمري في مزرعة جيراننا ما شفت الا جهانكير متعلق في النخلة يصرمها ونص مكوته طالعة. لحظة صمت طويلة. لا يحب الشيشة، ولكنه يشرب قليلا، ولا يحب الإكثار منه أيضا، يسبب له الصداع والقلق. في المكان سمتُ الليالي التي أفضت بكل ما لديها ولم يبق إلا الفراغ والسأم الذي يلتهم الوقت والروح والجسد. يحدق أمامه بثقل وكآبة، كما يحدث له حينما يبدأ بالشرب، حتى وهو لازال بعيدا عن السكْر، ولذا ينزل الكأس ويتوقف. يكمل: أذكر يوم توفّت، بعد سنين هالكلام تزوجت وجابت عيال وكبرت انا بعد، إيه، دفنوها آخر قبر في المقبرة اللي يومها صكوها في الديرة، آخر واحد قالت لي امي، لا عيالها ولا امها ولا ابوها ولا رجلها بيصيرون معها، أخوها الصغير بس اللي مات واطيته كامري هو اللي معها. الجميع الآن يشعرون بالملل والثقل يخدرهم في مرحلة أيقظُ من النوم وأخمل من اليقظة، والظلام في الخارج غليظ وعنيد يعزلهم عن كل شيء. تمر به صورة نهار ممطر بديمةٍ ظلت تهطل خفيفة لساعات، وهو ينزل من منحدرِ شارعٍ في حارتهم تحفّه أشجار السدر الرطبة، ويصادف طفلتها البالغة من العمر ١١ عاما. كان هو في الـ٢٠ حينها. الطفلة في الطريق إلى البقالة المجاورة. رافقها تحت رش المطر الخفيف، تعرفه جيدا ويعرفها جيدا، رأته ورآها مرات عديدة في منزل أخوالها. رائحة الرطوبة اللزجة في المحل وهو يدفع عنها قيمة الشوكلاتة والعصير التي اشترتهما لتعيد الريالات الثلاثة إلى مخباتها، والماء الذي يقطر من اللوحة على رأسيهما عند الباب الصغير إذ يخرجان منه. رافقها إلى منزل أخوالها بجانب منزلهم، والحارة ببيوتها وشوارعها انعكاس زجاجي للضوء الغائم الصافي. تلتصق به وهي تمشي وتحادثه، ويبدو ظاهرا أن شيئا ما يجذبها إليه، وهو يراوح التحديق فيها ويسألها ويجيبها، ولا يدرك –أو يدرك بغموض– أن هذه اللحظة ستتذكرها الطفلة جيدا كما يتذكر هو تلك اللحظة مع أمها. يستطرد دون مناسبة وقد استلقى الآن على ظهره ولم يبق إلا رأسه على المركى: أمّ جدي كان عندها كفن تروّحه مع ناس لمكة عشان يربَّص في زمزم، وكان ولدها جدي أبو أبوي ياخذه يفصله ثياب، مافيه فلوس ولا حلال ولا زرع ولا شي، وهي تهاوشه كل ما شافته (ويقلد صوت عجوز) يا دحيم لابارك الله فيك اذا متّ ما عندي كفن. يضحك، ثم يكمل: أبوي يقول انه مات ثلاث مرات من الجوع، وانهم اذا مات الواحد منهم مالقوا له خرقةٍ زينة يلفّونه بها. أبوي جريم وعضل وفي وجهه جروح وآثار جدري، إذا روّق يقص لنا قصص يوم انه حونشلي، يسرق هو واخوياه على امتداد سدير، مرةٍ سمعته يقول لواحد في مجلسنا انه يومه جذع مع عمه خطف له بزرين من جيزان وسرى بهم يبيعهم في مكة، لكنهم فطسوا في الطريق. أطرق لحظة ثم أكمل بتكشيرة: مدري عنه، عايلتنا كلهم عيال كلب. جميعهم مستلقون الآن، ولا يُسمع في المكان إلا صوت الحطب يحترق في النار.

 

منذ طفولته وهو يرى أشياء من الصعب فهمها. يخرج مثلا من قرية أم سدرة على طريق الكويت، حيث سهر مع صديق له هناك، ويقف على التراب بين المسارين ينتظر عبور سيارة مسرعة. السيارة بعيدة، نقطتا ضوء تطعنان السواد، تقتربان أكثر، ويقترب معها صوتها الذي ينخر الوشيش. السواد ثقيل ولا أثر لنجم أو قمر فيه، ولاشيء فيه سوى النقطتين المضيئتين، تلمعان وتشعان، ويرى فجأة وجها يتشكل حول النقطتين، وجه غامض ومقلق وذو ملامح إنسانية مألوفة، ويحس بقلبه يضرب بقوة. وحينما تتجاوزه السيارة يدعس دواسة البنزين، ويجد نفسه رويدا رويدا يقفز الطريق بسرعة ١٨٠ كم. يبدأ بتخيل أن هناك شيئا في المقعد الخلفي، شيئا ملموسا، شيئا يُرى، لو أشعل الضوء فسيراه، ويضغط أذنَه الصوت المقعر للهواء الذي يضرب في الألمونيوم مثل حرف الڤي المجوف. يسرع أكثر، ويتجنب إشعال الضوء أو النظر في المرآة، ويحس فعليا أن قلبه يوشك أن يخرج من صدره، وحينما يدخل المدينة أخيرا وتبدأ الأضواء بالانتثار فوق كل شيء، يتشجع ويلقي نظرة إلى الخلف عبر المرآة، مدركا أن لا شيء هناك بالطبع. في يوم ما ضربه أخوه عبدالمحسن. كان هو في التاسعة عشرة من عمره، أي رجلا، لم يكن صغيرا، دخل الحربية حينها وخط في وجهه شارب خفيف، ولكنه ضربه وثبته في الأرض وأدمى وجهه. أخوه قوي وعنيف مثل أبيه، أما هو فنحيل ومثقل بالتردد تجاه سطوته. لم يقولا شيئا لأحد، ولم يسأل أحد عن الكدمات على وجهه، لم تكن غريبة في المنزل. كان والده ما زال حيا، وأمه بالطبع. جلسوا على العشاء بصمت، وأكلوا. أخوه الضخم يجلس شبعانا، مادّا ساقيه المشعرتين، ويتمطق. كان متبطلا يكدّ على ددسنه بين مدن سدير والرياض والقصيم وحائل ووادي الدواسر. سألته أمه أخيرا: من اللي جالدك؟ وكره أنها لم تسأله: من أنت متجالد معه؟ أطرق. كان أخواه يتضاربان في صغرهما بشكل دامٍ ووحشي، وتجلدهما أمهما بوحشية أكثر من والدهما مستخدمة ليّ غسيل ثقيل يطرّز جسديهما، وكان ردهما على أي سؤال عمن جلدهما هو: طايح. أما هو فلم يكن أحد يجلده تقريبا إلا عبدالمحسن، كان يتصيده في مواضع معينة ليخيفه ويجلده بطرق مبتكرة وغريبة، وكان أخوه سعد يتضارب مع عبدالمحسن أحيانا بسببه. أطرق، ثم قال: طايح، ولم يعلق أحد. أخذ مسدسه في الليل، ووقف في الرواق خارج غرفة أخيه، قبالة نافذة السيب، غارقا في السواد المخطط بالنور، وهو يكاد يسمع صوت النوم يملأ البيت والحارة والمدينة والكون بأكمله، ويرى أضواء شاحبة تلون النافذة أمامه. ولكنه عاد في الأخير إلى غرفته. في تلك الليلة التي وقف فيها فوق سريره بمسدسه مرة أخرى؛ كان أخوه قد جاء إلى المدينة متأخرا، دخل المنزل وحينما رآه لاحت على وجهه تكشيرة متفاجئة، وسأله وهو واقف عند باب الغرفة: وش جابك؟ فرد وهو شبه مستلق: خذت إجازة، قلت لهم الوالدة تموت قالوا رح. جلسا في تلك الغرفة نفسها أمام التلفاز، لم يتحدثا تقريبا، كل ما يعرفه عن أخيه هو أن لديه ثلاث أبناء وأنه يعمل في العقار. ينهضان ويذهبان إلى المطبخ أو دورة المياه، ويعودان إلى هنا، لا أحد منهما يعرف أحدا في المدينة التي تركاها منذ سنوات، ولا يريدان أن يعرفا أحدا. في نهاية الليلة تقريبا التفت أخوه نحوه وهو مستلق بجسده الضخم وقال والتلفاز لا يزال صوته مرفوعا: اليوم صدمت لي كلب على السريع، بغى يقلب بي، وقفت أشوف الموتر وش جاه، ثم قلت خل أشوف ذا الزنو، مشيت أتحسسه في الظلما ألين وطيته وانا مدري، منشلخ نصين، لو تشوف نعالي بتلقاها للحين ناقعتن بدمه ومصارينه. أنصت هو ولم يعلق. في تلك الليلة وقف فوق سريره بالمسدس، ورأى في الضوء الشاحب وجهه الغارق في النوم بفمه الفاغر وشعره المبعثر، وأدرك أن الوجه المرعب الغريب الذي رآه في تلك السيارة ربما كان وجهه، وتخيل لو أنه وجه المسدس نحوه، قريبا من وجهه، وضغط. لم يقتل إنسانا من قبل، ولكنه يعلم أن رصاصة هذا المسدس (جلوك ١٩) ستحدث ثقبا في رأسه، وأن قطعا من الدماغ ستخرج منها، وسيموت قبل أن يدرك ما حدث، وسيغرق مفرشه بالدم حتى يبدأ بلفظ قطرات نحو الأرض. سيسلبه ذلك احتمال أن يسأله يوما: أنت الحين وراك تكرهني؟ والذي يمنعه من أن يطرحه أن أخاه كان يكره كل شيء. يقول إنه عايش فظاعاتٍ على يد والديه الفتيين حينها لا يتخيلها إخوته الأصغر منه، ويقول إنه سيرى كل من في هذا البيت يموتون أمامه، وقد فعل، فعلا، كلاهما دفنا أفراد العائلة جميعهم، ولم يحزن أخوه حتى على أختيه اللتين توفيتا في حادث انقلاب حافلتهما المدرسية وهما في المتوسطة، رغم أنهما لم يكونا في نظره محط عداء له. يحدق في الوجه القوي الغارق في الأحلام، ويفكر. صرف النظر وعاد أخيرا إلى غرفته، استلقى في الظلام وحاول النوم، حتى يئس وخرج متجها نحو المزرعة المهجورة، ولم يعد.

 

لم يقتل أحدا في الحدود عام ٢٠٠٩. رابط هناك بين الجبال والوديان الوعرة، ولكن لم يطلق أحدٌ عليه النار ولم يطلق النار على أحد. السماء في الليل منبسطة فوقهم، مخرمة ببقع ضوء معيّنة الشكل، تُسمى نجوما. يسير مع الفرقة الراجلة، في كل تلك المسافة، على حواف جبال لا يظهر أن بشرا وطئها من قبل. يقول لصاحبه إنه إذا لم يقتل أحدا أو يقتله أحدٌ أو يحدث شيء ما فإنه سيُجن، لقد أتى مهيأ ومستفزا، وكل ما صادفه هو امتدادٌ لا يطاق من الترقب والرتابة. انتهت الحرب السريعة، ولكنه لم يعد يستطيع النوم ليلا بعد ذلك. لم يعد هنالك أحد غير والدته في منزلهم، يزورها مرة كل شهرين، كانت مثل جنّي، أو كومة عظام تحركها أعصاب مستنزفة في جسد مترهل ومنكسر، شعرها أسلاك حادة متقصفة، وجهها محفر من النحول. يراها ذات ليلة على كنبة الصالة، تجلس في الظلمة ظلا في انعكاس الضوء الطفحيّ، ويشك أنها ميتة فيقترب منها، يهزها فتستفيق مروعة، وتحدق فيه غاضبة: "وجع. من؟" فيرد باسمه، وتسأله: "أذّن الفجر؟" فيجيب: "إيه"، ثم تنهض وتختفي وراء جدار، ويقسم أنه لن يأتي إلى هذا المنزل بعد اليوم. لا ينام الليل إلا نادرا. يأخذ الفتاة إلى أقصى الثمامة، لدرجة أن الأضواء لا تختفي فقط خلفهما ولكن ظلمة المدينة أيضا تختفي وتحل مكانها ظلمة الصحراء النقية جدا، وهي ظلمة تكاد تشعر بها محسوسةً على وجهك، مثل الطلاء. تبدي تخوفها ولكنه يطمئنها: أحلى مكان، بتحبينه. يصل المخيم الصغير الذي ركزه مع أصحابه قبل أسابيع بجانب دَحْل في عمقه شجرة سدر عملاقة تبرزُ قنتها من الحواف. يخرج ترمس القهوة التي جاء بها، يشعل حطبا، ويتدفآن أمامه في أول موسم "سعد بلع"، حيث الشتاء رطب ورقيق. يتحدثان، ويروي لها قصصا، هذا ما يجعل نوعا من النساء يحببنه، يعرف قصصا جيدة، وإن كان يرويها مفككة ومجزأة. يقول لها: قبل ٣ سنين كنت مع صفريّ في عقبة سنان بالنماص، ما أداني الجبال تجيني دوخةٍ منها لكني ما بغيت أقول لا، رقاها ألين وصل النص، قالي لو تطلّ بعد كم متر تلقى سيارة طايحة من زمان تحت، قلت له وقف، فوقف في مساحة باينة للنازل والطالع على اللفة، ونزلنا. مشيت للحافة، بغيت أطيح، لف راسي شوي ثم اعتدل، الرذاذ ينتثر على وجهك خفيف والضباب فوقنا بمتر أو مترين، طلّيت من على الحافة، شفتها هايلكس قديم، شكل موديلها من الثمانينات. وقف جنبي، وقعدنا نناظر. كان زنديق الله يذكره بالخير، قلت له بعدين يوم ركبنا الموتر: طيب ولو طلع فيه جنة والله على بابها يحتريك صدق، وش تبي تقول؟ رد: بقوله أبعدني عن الصفارى لو شفت واحد منهم هنا بطلع واروح للنار. رحنا لبيتهم، قديم أقدم من بيتنا ما فيه إلا امه واخته الكبيرة، أرملة ولا جابت عيال. بيت جن، الشمس تدخل من الدرايش مثل العسل الصافي، تجيب الكدر، مكياج على ميت. يسمعان فجأة عواء ذئب، تعقبه لحظات صمت، محدقان في البعد المظلم. يطمئنها: لا تخافين، ما يقرب يمّنا. تخبره أن ذئبا كاد أن يقتل والدها في شبابه حينما كانت صغيرة، قبل أن يقتله السرطان بعد ذلك بسنوات، وتقص عليه كيف مات بعد تسعة أشهر من المعاناة، ويقول لها إن كل من مات في مستشفى يجب أن يدخل الجنة مباشرة. تشتهيه وهي ملتصقة بجنبه لدرجة أنها تحس بتدفق الدم في عروقه. يلتصقان أكثر أمام النار. الظلام الطلائي يحيط بهما من كل ناحية، يطوقهما ويؤطر وجودهما وسط بحر من السواد الحيادي، ويبدوان مثل صور الكرة الأرضية في مجرة السواد الأبدية، التي يقطن الله والملائكة في سدرة المنتهى وراءَها. شفتاها ناعمتان، مليحة، وجميلة نوعا ما، جسدها مسطح ودافئ، لون جلدها نحاسي يلمع في النار، كسها لزج وحار، حلمتا ثدييها المكوّرين كالرز البارد في قبضة اليد بارزتان ومدببتان. يسألها وهو يلجها: كم عمر الولد؟ ترد وهو تتنفس بنغمية تحت صدره: ثلاث سنين. يسترخي بجسده كاملا، والبشت الشتوي يغطي ظهره، يبدأ من أصابع قدمه التي يشدها ويرخيها، ويصعد حتى فروة رأسه الرطبة، ثم تتجمع كل تلك الأحاسيس لتصب في عصبة ذكره، الغارق في حرارة لزجة، ويتخيل أن حياة كاملة خرجت من ذلك المكان، كانت نطفة في رحم، تشكلت وتكونت ثم انبثقت من تلك الثلمة الصغيرة. يجلسان بعدها أمام النار، مستنزفان ومكتفيان، يتكئ هو على مركى خلفه، أما فهي فتتكئ على جانب ساقه المثنية. كل عصبة في جسده مرتخية. يصب لنفسه فنجانا ويمسكه بطرف أصابعه، وكأنه بدوي يستعرض به أمام مصور أجنبي. تسأله عن خويه الصفريّ، فيطالع مستذكرا: إيه. ويكمل: قعدنا في مجلس بيتهم، ولحقوا بنا أخويانا الثانين، كانوا اثنين. لعبوا بلوت، منيب أحبها. سولفنا. دخان ولحم ورز. يوم طفينا النور وجينا ننام، مدري شجاني تذكرت يومي منسدح في الظلما واشوف وجيه ارهابيين العليا المرسومة بالرصاص، وجاني شيٍ مثل الدوخة، تسني طلعت من جسمي. ثم يصمت متفكرا ويشرب الفنجال دفعة واحدة ويتمطق باستهبال. تسأله بعد لحظات: طيب وبعدين؟ يحدق فيها بجمود وقد التفتت نحوه بذقنها على ركبته، فيقول مستذكرا: إيه صح. كانت قد سألته عن أخيه الذي مات في العراق. أكمل: الصفريّ ذا خويّ أخوي سعد أصلا، من أيام شغل ابوه في المجمعة في التحلية، يقول انه يوم خلص الثنوي عطاه أبوه عشرين ألف وقاله رح ادرس في سعود بالرياض احسن، يقول قضبت الخط بالكابرس اللي معي، كان معي كابرس صابونة 96 أبيض، وقعدت في الرياض شوي بس ما جازت لي، فمسكت الخط شمال ألين وصلت تبوك، لي خالٍ هناك يشتغل في الحديد والسمنت، ثم نزلت للحفر، يقول هناك قابلت أخوك، جلسنا على جال شعيب فليج، وقالي يا طارق أبي منك ألفين بضبّط موتري، يقول كنت داري انه بيزيدها على اللي عنده عشان يعطيها اللي بيدخله العراق، جالسين لحالنا في الظلما ومَا الشعيب جنبنا يلمع، قدامنا شبة النار وراس شيشةٍ أدخنها، وأخوك يناظرني كنه حصني، عطيته الألفين، اذا يبي يفطس في العراق على كيفه، وسلمت عليه ذيك الليلة وتفارقنا ولا عاد شفته عقبها. يصمت أخيرا. تسأله عن أخيه فيخبرها قصصا عنه، وأن أشخاصا من المباحث جاءوا يوما لوالده وقالوا له إنه مات في انفجار، ولم يشرحوا ما الذي حدث أو أين جثته، وقال له أحدهم: ما نغصبك، لكن لا تفتح بيتك للعزاء. ولم يفعل، كان وكأنه اختفى. تقص هي عليه قصة من مراهقتها، حينما حاولت استحضار والدها الميت مع أختها، من كتاب وجدوه في مكتبة أخيها، فيه طلاسم وتعويذات، وتقول إنها رأته حينها ولكنها متأكدة الآن أنها لم تره. يبدأ ثقل مقرف يطغى على الجلسة، وتتمطى بتبطل وخمول لساعتين تقريبا. تخبره أن أخوها يوشك أن يخرج من عمله وأن عليها العودة، فيطفئ النار لتنطفئ النطفة ويغمرهما الظلام السديمي الذي يقطن وراءه الله والملائكة، ويركبان السيارة باتجاه المدينة، نحو ظلام المدينة وأضوائها.

 

العام ٢٠٠٣، اليوم ليلة عرفة، الساعة الرابعة فجرا، المدينة الرياض، الحي السويدي. أثناء نومه في استراحة ابن عمه، في الأسابيع الأولى لمجيئه للعاصمة، شقَّت نومه فجأة أصوات مكممة، ثم طلق نار وصراخ وجلبة، تقترب أكثر في الظلام، ثم حصل انفجار كبير في مكان قريب، أدى إلى أن ينفض السقف ترابا فوقه، وأن تنكسر النافذة الزجاجية الكبيرة التي تحتل نصف الجدار. حينما نهض على قدميه مشدوها وفاهيا كان أفراد من القوات الخاصة يأتون من الخلف، يصعدون جدران الاستراحات والمنازل بحثا عن أحد الهاربين. وصلوا إلى هذه الاستراحة، حاول أحدهم فتح باب المطبخ، وحينما وجده مقفلا أطلق النار وكسره وأصاب الثلاجة وبعض الأثاث، ولم يستغرقوا عدة ثوان حتى وصلوا إليه، واقفا بسرواله وفنيلته، مشدوها وفاهيا ونحيلا، أمام النافذة الجدارية الكبيرة المهشمة. كاد رجل الأمن أن يطلق عليه رصاصة، ولكن شيئا في هيئته الجامدة تلك، أوحى له أنه شخص عادي، إلا أن هذا لم يمنع من تهديده فانبطح على الأرض. فتّشوه جيدا، تحسسوا مؤخرته وأدخلوا يدهم تحت خصيتيه وإبطيه ودحرجوه مرتين مثل دبة الغاز حتى تأكدوا من سلامته. قُتل المطلوب أخيرا في مكان ما، وخضع هو لاستجواب سريع وسط الظلام الملطخ بأضواء كشافات العساكر. كانوا ثلاثة، حينما أراد أحدهم أن يشعل الضوء قال آخر: لا اصبر يمكنّه مشرّك. فرد الواقف بأصبعه على الفيش: تشوف أفلام واجد الظاهر. وأشعل الضوء. واصلوا استجوابه منبطحا، راجعوا أوراق ثبوتيته، وانتهوا سريعا إلى أنه مجرد شخص. تفرغوا لتفتيش المكان بشكل أكبر، وهو جالس في ركن من الغرفة، يراقب. استمرت الجلبة، سواء في الاستراحات المجاورة أو الاستراحة هذه. كان هنالك عشرات من العساكر بمختلف الرتب والمديريات. دخل مع إشراقة الصباح المطبخ، سأله جندي: وش تبا؟ فقال: بسوي شاهي. حدق الجندي في الفرن، يعاينه، ثم أشار بيده موافقا وخرج. عمل شاهي تلقيمة، وشرب مع الجندي الذي عاد بعد دقائق بيالة، وقال له وهو يغمز بتواطئ ويهمس بلكنة بدوية ثقيلة: اسمع، ترى سلّكنا لكم قوارير العرق، هه. فشكره: تسلم، تقهو. وملأ بيالته بالشاي. في الضحى جاء ابن عمه وتبعه أخوياه واحدا تلو الآخر هربا من صيام عرفة الإجباري عند حريمهم، ليتفاجؤوا بما حدث. كانوا أكبر منه بعدة سنوات، اثنان منهم متزوجان. وحينها اقترح عليهم خطة. حينما جاء الضابط الذي سيقيّم الأضرار بعد ساعتين تقريبا، ابتدره مؤشرا على مكيف الشباك. كان يرتج إذا اشتغل وينطفئ كمبرسره كثيرا فلا يبرّد. قال له: خرب من الانفجار. شغلوه وهم يقفون جميعا أمامه لتتم المعاينة الدقيقة، فارتجّ فعلا، بب بب بب بب بب. وصرخ أحدهم بمسرحية: شف، خربوه، لعنة الله على ذا الظالين الخوارج. الضابط يقف بورقة وقلم، لم يبدو مقتنعا وهو يعاين الرجة، بب بب بب بب، ولكنه كتب بقلمه على الورقة، وقال بما يشبه القرف والملل: طيب وغيره. كانوا قد سدحوا التلفاز، ووقفوا فوقه مثل جثة، وقال ابن عمه هذه المرة مؤشرا: شف، التلفزيون طاح. عاينه العسكري، واقفا، كما يعاين جثة، وهمس: طيب واذا طاح؟ فصرخ باستجداء: ياخي طاح اقولك طيحة قشرى، شفه اكيد خرب، الله يلعن ابوهم ذا المناييك الخوارج. وضع الضابط قلمه على الورقة وكتب. طيب طيب وغيره؟ مروا به على عدد من الأشياء، حتى أن أحدهم أخرج ثوبا فيه خرق بفعل جمر الشيشة مدعيا أن رصاصة ضربته، ولكن العسكري اكتفى بالقول: حمار أنت؟ فلم يضغط الشاب. انتهى الموضوع في صفرة المغرب، وجلسوا في المجلس المهشم يضحكون ويحتفلون. شربوا وشيشوا، وحينما ذهب الجميع بقي هو لوحده هناك، واستلقى لينام. النافذة الكبيرة المكسورة تجلب أصواتا بعيدة إليه في الظلام، قطط وسيارات وهواء. الظلمة ملطخة بأضواء الشارع الخافتة، مثل طفح جلدي. وفي السقف، يستطيع رؤية صور غريبة، ألوان، أعصاب، حواف أوجه مرسومة بقلم رصاص. كان أخوه سعد قد ذهب حينها إلى العراق. بدأ في التساؤل عن دوافع من يرمي كل شيء وراءه بهذه القوة ويتخذ خيارا متطرفا وعنيفا مثل هذا. يتخيل نفسه يسحب على كل شيء، إذ لم تكن أيامه جيدة في الرياض حينها، الحياة فيها صعبة وغامضة، يتركها ويرجع للمزرعة المهجورة، ويبدو له حينها تصرفا في منتهى الغرابة، يعود ليلقح النخل اليباس ويخضر المحالات الميتة ويحفر السواقي المردومة إلى أن تدب الحياة في كل شيء. يرمم الغرف الإسمنتية ويصبغها. يذهب في كل ويكند للمدينة لأنه يحب الناس، ولا يريد الانقطاع عنهم. ربما يبني له بيت شَعر على الطرف، قبل الصرام بحين، ويصير مزارا للكثيرين، خمسة أيام من الخلوة يتبعها يومان من الوناسة. ينتبه من خيالاته التي تستغرق دقائق، وهو مستلق. الساعة ٣ الفجر، والإحساس المجوف والمفرغ يتغور ويتأصل أعمق وأثخن. يأخذ بعضه ويطلع. معه ددسن موديل 92 كان لأخيه سعد. يمسك طريق الملك فهد. تأتيه الرغبة العنيفة بأن لديه خويّة مفصلة لليالٍ مثل هذه، تسكن جحرا في أعمق دهاليز الأرض الدافئة أو أطول ناطحات السحاب المطلة على الأشياء كإله ويقابلها في ستر غرفة ضيقة وملمومة مثل سرير رضيع وبعيدة عن كل دخيل وكأنها مفرغة من أي احتمال، ويستهلك معها الوقت والعاطفة، وينيكها بأقوى ما يستطيع إنسان، حتى يصيران جلدا واحدا، ويدفعان الليل بالحديث والسواليف. كان لا يزال بكرا، ولم ير امرأة أجنبية عنه في حياته. لكنه في طريق الملك فهد، الساعة 3:45 تقريبا. كل الأوجه التي حوله في السيارات الأخرى تتنوع أشكالهم ومظاهرهم وتبريراتهم وانطباعاتهم، ولكن منطلقاتهم تقريبا واحدة، كلهم متورط بنفسه، هذا الوقت بالذات، لا يوجد في الشارع الا المتورط بنفسه. يصل كوبري الوشم، والشجر يصير أكثر وأكثف. يدخل الحواري، من جهة الناصرية، يطلع بعيدا إلى الملز القديم، أكأب حيّ في الليل، عماراته مثل جن متجسد على شكل إسمنت. ثم يبدأ في الإحساس بالخمول الشديد، هكذا دون سبب، جسمه قرر. فيرجع. أشياء كثيرة تستحثه للوقوف، لكنه لا يتوقف، لأنه منهك فعلا. بل حتى إن رغبة الذهاب لخويته المفصلة لليال مثل هذه في أعمق دهاليز الأرض الدافئة أو أعلى ناطحات السحاب المطلة على الأشياء كإله وسط مكان ملموم ومفرغ مثل سرير رضيع؛ تخفت وتتلاشى، ويوازيها تلاشي تصور المزرعة وبيت الشعر وغيرها من الغرابات التي ورط خياله فيها، وتبقى صورة أخيه الذي ترك كل وراءه وذهب يطارد شيئا ما في مكان غامض تنبض، ثم تختفي أيضا. ويصير الشي الوحيد الذي يريد أن يفعله هو أن يرمي بنفسه وينام، ويصل إلى عمق في النوم يكاد يقابل فيه من ماتوا منذ قرون. لكنه طبعا لا ينام، لأن المسألة هكذا منيكة والسلام. يظل منسدحا، مثل الكلب، بدون أي رغبة في فعل أي شي آخر، عيونه منزوعة النوم، ورغم ذلك ليس قادرا على النهوض أو الحركة، مركوز وسط الظلام. يتقلب، يصل في تقلبه إلى الباب، يعود إلى المفرش. يطلع الفجر، وبعده الصبح، ويصير الأمر رسميا منيكة، لأن العالم يتنفس الآن ويتيقظ وحشاً عملاقاً يتمغط ويقف ليصل ظله المضيء إلى كل شبر ويملأ الكون بالضجيج والحركة، بينما هو منسدح هنا في مكانه شبه مشلول. ثم حينما يصل إلى القاع، إلى قاع القاع، ويلمسه فعلا بطرف إصبعه، مثل سطح ماء، ويكاد يسمع همس المعذبين في كل مكان في الأرض، وقتها فقط يبدأ بالنعاس، وحَبة حبة ينام. لم يحلم، لم ير شيئا، كان وكأنه اختفى في مكان ما شديد الظلمة والحياد ثم استيقظ وحيدا في بركة معمية من ضوء الظهيرة.

 

"أنا لست عاطفيا، ولذا من الصعب أن أُحِب، أو حتى أن أُحَب. أمي ليست مثالية، لديها كثير من العيوب المستفزة، ولكنها منذ أن عرفت الدنيا وهي تحبني، لم يكن لدي خيار في ذلك، أن أرفض أو أن أقبل، لقد فُرض عليّ فرضا. لم تكن تضربني، لم تكن تقلل مني، كانت تحبني فعلا. لن تجد شخصا يحبك أكثر من أمك، هذا ما كانت تقوله لي دائما. ولأني لست عاطفيا من السهل أن يحِب أو يحَب، فقد كان هذا الحب حاضرا بقوة، لأنه الوحيد، الصامد على الأقل. لن أنزّه دوافعها، فأنا لست مثاليا، لها دوافع لحبك، دوافع تملكية وتخيلية ودرامية بل وأنانية، ولكن الحب نفسه حقيقي، والأهم مستمر ودائم، لا ينطفئ بفعل الزمن غالبا، مثل الهوس الذي يصيب الناس حينما يعشقون، إنه لامنقطع، له دوافعه الأنانية الخاصة ولكنه حقيقي ومجرَّب وملموس. ولأنك تدركه جيدا بحكم أنك لست عاطفيا فأنت تدرك بكل وضوح نقي أنك بدونه لن تجد شخصا يتساءل عما إذا كنت جائعا أم لا، مستورا أم لا، سعيدا أم لا، لديك ما يكفي من الرز والقهوة والشاي والبطانيات أم لا. ولأنك تدرك هذا بكل ذلك الوضوح النقي يصير خيار فقده مرعبا، لأنه راسخ في عقلك أكثر من اللازم. ولذا حينما يأتي الاتصال الذي يحمل النبأ في الثالثة فجرا، تكون مستعدا لتدرك كل تبعاته دفعة واحدة. يرن هاتفك قويا ويوقظك، وتدرك أن شيئا ما حدث، وتفهم أنك ستفتقد أباك وإخوانك وأخواتك وستحزن حزنا شديدا على فراقهم، ولكنك تقول رغم ذلك: "يارب ليس هي ليس هي". ولكنها هي فعلا، جلطة، ويضربك ذلك الإدارك المحفور في وعيك تلقائيا، مثل زر، بأنه لن يوجد أحدٌ يحبك مثل أمك، وأن أحدا لن يتساءل طوال مدة حياته بنفس الشغف المَرَضي عن شبعك ودفئك وقهوتك ورزك مثل أمك، يهجم بسرعة، لأنه جاهز هناك في وعيك، يهجم مثل رصاصة، محسوس وكأنك تستطيع أن تمسكه، وتبدأ في فقدان السيطرة على نفسك، وتنخرط في بكاء، ولأنك لم تبكِ إلا وأنت طفل ولا تذكر فعلا ما هو البكاء، فإنك تظن أنك ستموت، لأنه شيء مرعب هذا الذي يحدث لك، أن تبكي بهذه الطريقة التي تشبه انهيار الجسد، وتفكر أنك فعلا ستموت، وأن الرعب الأناني الاستحواذي عميق إلى درجة أنك توشك أن تفقد وعيك. فموتها ليس عن الماضي، وإنما هو عن المستقبل، ليس عن الحب، فلست تعلم إن كنت تحبها فعلا، ليس عن الذكريات ولكن عن حقيقة أنك الآن وحيد فعلا، لأنه لا أحد سيحبك مثل أمك". كان الوقت ليلا حينما قرأ ذلك في كتاب من مكتبة عمّه الأثرية. لقد أخذه وقرأ فيه لأنه بدا جديدا، وتذكر أن شخصا زاره هنا قبل أشهر ونسيه عنده. هذا المقطع في الصفحة الـ٣٧، الكتاب سيرة ذاتية لكاتب لم يبدُ من صورته كبيرا في السن لدرجة أن يكتب سيرته، كان ممتعا وغريبا ولم يفهم بعض ما فيه، ولكنه أغلقه الآن واكتفى بالجلوس على كرسيه، وظل يحدق في نقطة في الفراغ. والدته كانت امرأة نشيطة، ضربته عدة مرات في حياتها، ولكن ليس مثل أخويه، وأقفلت عليه ذات مرة باب غرفة مظلمة حينما كان صغيرا، لأنه كان يصر على النوم معها لخوفه من الظلام. ضوء المصباح يلفظ صفرة فاقعة في المكان، وأصوات الصحراء خارج الغرفة نغمية بسكونها الموحي. لقد مضى عليه في المزرعة عدة أشهر الآن. من الصعب شرح ما حدث. ولكنه حينما ترك العسكرية، وحينما تلقى مالا جيدا من بيع المنزل إثر وفاة والدته قبل سنتين تقريبا، مع ما لديه من مال جمعه دون عمد بسبب قلة مشترياته وانعدام اهتماماته المادية، وحينما قرر العودة للمزرعة وتطويرها والجلوس في الغرف الثلاثة؛ فعل كل ذلك لأنه بدا خيارا صحيحا. من الصعب أن تشرح كيف يفكر شخص غير سوي، وهو مصطلح إشكالي، لأنه لا توجد نتيجة قطعية لما هو سويّ. ولكن، ماش، من الصعب أن تُسلّك ما فعله. جلب عُمّالا، وتعاقد مع شركة مقاولات، وصار الناس العابرون والقاطنون قريبا من الطريق شبه الصحراوي التي تقع في عمقه مزرعتهم القديمة يرون غبارا يغطي السماء، البناء المتعجل لمشروع غريب يتطاول بغموض يبنيه أناس لا يفهمون لماذا يبنى. محطة بنزين على قارعة ذلك الطريق شبه الصحراوي الفرعي الذي يتفرع من امتداد طريق سدير القديم. حينما انتهى البناء، توقف، توقف حرفيا. اعتاد أن يذهب إلى هناك في الغروب، يشعل الضوء الموصول بماطور ضخم، ويجلس في زاوية طارفة ظلية. من مسافة كيلومترات في عمق الصحراء التي يقطعها خط إسفلت مثل اللسان، سوف يرى مسافرون الضوءَ يتلألأ بسحرية وسط الخلاء. أناسٌ عابرون على طريق سدير القديم يلمحون الضوء الغريب الداخل في عمق الصحراء قليلا، وتنعقد حواجبهم باستغراب وسط ظلام الصحراء الطلائي، ويقرر بعضهم أن ينعطفوا إلى المكان المشع بسياراتهم ويدخلوه ليركنوا بجانب مضخات البنزين، ويقفوا لوقت طويل نسبيا قبل أن يستوعبوا أن هذا البناء المومض بشكل مهم هو في الحقيقة فارغ، فارغ عدا الهيئة المعتمة لرجل يبدو مسنا يجلس في زاوية ظلية، مثل شبح حوافيّ الشكل. كان يبدو مسنا بالفعل. أطلق لحيته، تشبه لحية المراهقين التي تتوقف عند حد معين بطريقة غير متناسقة المنابت، يملؤها الشيب، ويملؤ الشيب رأسه أيضا. ستظن بسهولة أنه في الخمسين من عمره، نحيلا ومستنزفا، وليس في الثالثة والثلاثين من عمره. لديه ثوبان تقريبا، يغسلهما في طشت، ويتركهما ييبسان في الشمس، ثم يلبسهما، متعفّطان وكأن عملاقا لاكهما في فمه. من الصعب أن تصف ما الذي يحدث في عقل شخص ما، حتى من يوصف بالعاقل، إنه شيء صعب، أن تمنطق تلك العملية اللالغوية الصورية التجريدية التي تحدث. إنه مثل الجميع كان يرى صورا، وأحاسيس، وتنبثق في داخله تصورات وانطباعات وانفعالات، ولكن من الصعب اقتناص سياقها ودوافعها. يخرج ليصيد، ولكن لا شيء فعلا هناك ليُصاد، صارت الحيوانات تخشاه وتنأى عنه، فتوقف عن صيدها كي تعود، وحينما عادت عاد ليصيدها فابتعدت عنه، وهكذا. يذهب إلى المدينة أحيانا، ويتحرك مثل أي شخص آخر، عدا أن في مظهره شيئا غير مريح. لا يكلم نفسه، لا يُجحظ عينيه مذهولا وشاردا. ولكن، ثمة شيءٌ، لا محدد، يبرز في هيئته. يشتري مؤونة من السوبرماركت، يتوقف بسيارته ويسير مسافات طويلة على امتداد الشوارع، مبحلقا بهدوء يكاد يكون حكيما في الناس والأشياء. وأحيانا لا يأتي حتى بسيارته، يجلس مقرفصا عند قارعة الطريق وينتظر أن يقلّه أحد ما إلى الديرة، فيركب معه، ويتحدثان سويا بطريقة هادئة ولكن أيضا غير مريحة. حينما حدث ما حدث، سقط على رصيف شارع المباحث، منكفئا على جنبه الأيسر، وهو يحس بالهواء يدخل من فتحة في رأسه. والدته كانت نحيلة، ولذا بطنها منتفخ مثل التل في أرض مستوية أثناء حملها به، في رحمها الضيق لا يوجد نقطة ضوء واحدة، ظلمة مطلقة، ولزوجة، منذ بدء تكوّنه على هيئة ثلاث طبقات منفصلة، ثم بداية تشكله واكتساب ملامحه، مربوطا بالمشيمة والحبل السري، مرورا بتكون جهازه العصبي الذي يربط دماغه بأعضاء جسده، متأرجحا مثل رواد الفضاء وسط لزوجة السائل الأمنيوسي في الطبقة المخاطية لجدار تجويف الرحم العضلي بغشائه الرقيق. الهواء الذي يدخل من فتحة في رأسه وهو ساقط على جنبه في شارع المباحث يُحيّد جسده، وكأنه في حالة صعق دائمة، عيناه ما زالتا تبصران، الشارع المضاء بالكامل، والأرجل المقبلة نحوه، والسيارة التي طوّحت به، تعلوها شيئا فشيئا غشاوة غبشية. يخصص دماغُه وهو لا يزال في رحم والدته مناطق للشم والنظر والسماع والتذوق واللمس، ويبدأ في سماع دقات قلب والدته، وسط انعدام الضوء والملامح والإدراك. رأسه على الإسفلت، وملامح الأشياء أمامه تسيح خطوطُها الحوافية، وتكتسب شكلا يشبه الألوان المائعة، ويبدأ في فقدان ربط الشيء بما يرمز إليه، وتفتقد المحسوساتُ أسماءها وتعاريفها، ويصير كل شيء ضوء قويا ساطعا وغير محدد الشكل. يزداد وزنه في رحم والدته المخاطي، ويراكِم طبقات من الدهون تساعده على البقاء دافئا، ملايين الخلايا العصبية قد نمت في دماغه، وتومض داخله، بشرته الآن زهرية، يدير مع الأيام رأسه إلى الأسفل، نحو المهبل، ويستعد للخروج. في لحظة ينطفئ كل شيء، ويختفي بكل حواسه، في الغبش الذي يثقل لونه ثم ينطفئ كليا نحو ظلام وصمت مطلق لا رجعة منه. الضوء يدخل ضعيفا من فرج والدته إذ تدفعه بكل قوتها في مستشفى المجمعة العام، هامة رأسه أولا، وجهه ممسوحا بشفرتي المهبل، ثم رقبته، ثم جسده كاملا، يتأقلم مع الضوء المشع القوي لغرفة التوليد، يحرك ملامح وجهه بتوتر ونرفزة وكأنه يريد أن يحك أنفه. طفل متعاف يزن 3.5 كيلوجراما.

 

حضر جنازة أخيه. شاهد جثته في غرفة المسجد الخلفية، في رأسه شجّ كبير خندقيّ، يمكن رؤية الدماغ من خلاله. عاينه. كان يعلم أن سيارة صدمته في شارع المباحث. تنازل في اليوم نفسه عن الحق الخاص، ورفض الدية، واكتفى بأن يصلي عليه الظهر، ويتلقى العزاء في المقبرة، ثم قفل عائدا إلى حائل. شمس الشبط باردة وتختفي وراء كتل سحاب. عمل فترة كدادا على هذا الطريق بددسن موديل 88، أعطاه إياه شخص عرفه في إحدى العزب مع تسع بلاطات حشيش، حينما كان في الـ١٧ من عمره عام 93، وقال له: اسمع، إذا وصلتها لحايل كاملة، الددسن لك. وهو ما فعله. حينما قُبض عليه لاحقا ببلاطتي حشيش حُوِّل إلى الأحداث، خلع ملابسه أمام المفتش وظهر أثرُ جرح يمتد من كتفه وحتى منتصف ظهره. سأله: وش ذا؟ فرد وهو يلتفت على ظهره ثم يحدق فيه: طايح. كان والده ضربه بليٍّ ذات مرة وتسبب به. يمكن أيضا رؤية أثرُ جرح في رأسه إذا حلق شعره بالموس، أحدثته والدته حينما ضربته مرة بحد الملّاس. كان والده في الخمسين حينما وُلد، لم يتزوج إلا متأخرا، أما أمه فمطلقة في الأربعين. كُرهه لهما كرهٌ متعمد، ذلك النوع الذي لا يأتي نتيجة فعل قد يزول بزوال وطأته، ولكن متواصل ومستمر يرعاه ويربيه ويحافظ عليه وينمّيه بحذر وعناد. كان منتبها أن الزمن روضهما قليلا وسمح له بأن ينتقم منهما انتقامات صغيرة، مثلما فعل حينما أقنع والده الذي كان حينها قد تجاوز الـ٨٥ وبدأ عقله بالتشوش أن رجلا يدعى وُدّ بن صْليب يسأل عنه في المسجد والحارة، وقد كان هذا الرجل يرِد كثيرا في قصص والده، إحداها قصة تتضمن أنه ترك ودّ في بر الداهنة أثناء نومهما وهرب بسيارته ومتاعه ولم يره بعد ذلك، ولذا صار والده يجلس كل يومه وفي حضنه بندقية قديمة، ولا ينام –إن نام– إلا وهو ممسك بها، ينتظر ود بن صْليب. انتقامات صغيرة. وحينما دفنهما شعر أن هذه هي مكافأته، ولم تخيب ظنَّه لذتُها المريحة. الطريق طويل وغائم، وهنالك أجزاء منه يابسة، وأخرى مبللة، تعكس الغيوم مثل مرآة وتنثر رذاذا من مواطئ الكفرات، ومن المسجل يُسمع صوت أغنية مع إيقاع العود السريع: حدّ مثلي بات مشْجِنّه / حِلِم طيفٍ مرّ خطّافي، واغتنم من وجدي الوَنَّه / يوم كلّن بالكرا غافي. "قبل سنين كان معي كراون 91"، يقول لصديق له وهما في طريقهما إلى مكشات في نفود عليم العطش قبيل الفجر، قبل أشهر، "ترتفع حرارتها كل مية كيلو ولازم أوقف ربع ساعة وأفتح الكبوت وأحتري بنت الزنو لين تبرد. ماسك طريق حايل هاك الليلة، واحدٍ من العيال قايلي تعال حايل عندي لك شغلة إذا تبي شغل، كنت متوظفٍ مراسل في الاتصالات وقاعدين يربّوني مثل الكلب، قسما بالله مثل الكلب وأدنى وأخس، يكسرونك كسر وينهشون لحمك نهش وياخذون قلبك وتسبدك ويهرسونها قدامك هرس عيال القحيب. قبعت حرارة الموتر فوقفت وأنا مشغل أغنيةٍ لميحد نسيت وشهي، أذكر كنا نهجول عليها وانحن جذاعين، يوم نزلت هبة هوا قابلتني ترد الروح، أول الشتا كان، رقيت بترمس الشاهي على التندة وجلست متركي على مركاي والسريع قدّامي، ما به حبة نور إلا ذا السيارات اللي تختّ قدامك تسنها رصاصة، وذيك الأغنية مذكرها زين تلعلع في الظلما من الموتر، وأنا أقول يا ولد والله ما ارجع، لو أموت جوع هناك، والله ثم والله ما ارجع". يسير في الطريق الغائم، ومن السماعات يخرج الصوت سريعا وحزينا في الوقت نفسه مع خَرْش العود: "لي مِحبٍّ منّي ومنّه / أحبه مثل الجوهر الصافي". وصل آخر العصر. منزله دوبلكس ملموم، الشمس تنتشر فيه مثل العسل الصافي، وتلون أسطح الأثاث العائلي وألعاب الأطفال. لا أحد في الدور الأرضي. مشى ببطء نحو المطبخ، أخذ كأسا وملأه من البرادة. تمايزُ الضوء الذهبي مع ظل الأصيل يجعل الأشياء –بما فيها هو في وقفته تلك– تبدو مثل لوحة زيتية، تكتسب مظهرا مختلطا من التطهير والطهر. يقف أمام البرادة يشرب شارداً كأسه على جرعات، والماء في العلبة يبقبق إذ تسحبه الآلة نحو الأسفل، وتُحدث صوتا مثل فقاعات تنفجر، ومن الدور العلوي تأتي أصوات أطفال يلعبون، وعلى فمه ترتسم ابتسامة مطمئنة لا تكاد تُرى.


أحمد الحقيل :

أحمد الحقيل كاتب من السعودية. صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "على حافة الوعي" (٢٠١٢) وروايتا "خطوط " (٢٠١٣) ثم "دوائر" (٢٠١٥).