صعود الرواية المتشظية (مقالة في ٢٦ شظية)

١

السرد الأدبي السائد يتناثر على شكل شظايا.

 

٢

هذا ليس شيئاً سيئاً على الأرجح.

 

٣

كانت الرواية المتشظية وما زالت الدعامةَ الأساسية للعالم الأدبي في القرن الماضي. لكن نوعاً جديداً من هذا التشظي بدأ في احتلال الصدارة في روايات القرن الحادي والعشرين، مثل رواية جينيفر إيقان "زيارة من فرقة غون" (٢٠١٠)، ورواية ديڤد ميتشل "سحابة الأطلس" (٢٠٠٤)، ورواية يان ماكيوان "الكفارة" (٢٠٠١)، ورواية جيرالدين بروكس "أهل الكتاب" (٢٠٠٨)، ورواية هاري كونزرو "آلهة بلا بشر" (٢٠١١)، ورواية تي سي بويل عندما انتهى القتل" (٢٠١١)، ورواية ديڤد فوستر والاس "الملك الشاحب" (٢٠١١)، ورواية زادي سميث "شمال غرب" (٢٠١٢)، ورواية أودري نيفينگر "زوجة الرجل المسافر عبر الزمن" (٢٠٠٣)، وغيرها من الروايات الحديثة.  

وبدلا من الاعتماد على التشظي باعتباره وسيلة للانفصال والانحلال في حبكة الرواية، كما فعل كثير من الروائيين التجريبيين في الماضي —أمثال خوليو كورتاثار، ويليم بوروز، جيمس گراهام بالارد، جيلبيرت سورينتيو، وغيرهم— فإن الرواية المتشظية الجديدة تبدو كليَّة الفهم وشاملة في الترابط. إنها ترفض الانفصال التام حتى لو بدا أنها تجسّده.

 

٤

في محاولته فهم هذه النزعة، لاحظ مايكل ديفيد لوكاس صعودَ نوعٍ جديدٍ من السرد يميزه "تعدّد الأصوات." بحسب توصيفه، "لقد عاود وحشٌ أدبيٌّ غريب الظهورَ من جديد. إنه هجينٌ من القصة القصيرة والرواية التقليدية. هذا الجنس الأدبي الذي بعثت فيه الحياة من جديد، يمكن تسميته رواية الأصوات المتعددة."

إن مقارنة هذه الرواية بموسيقى الأصوات المتعددة (وهي الموسيقى التي تصدر فيها نغمتان أو أكثر في نفس الوقت) لهي مقارنةٌ في محلها، فكما هو الأمر في الطباق، فإن الأصوات في الروايات آنفة الذكر خُلقت في الأصل لتتناغم مع بعضها ببراعة فنية راقية تشبه تلك التي أظهرها ملحّنون عباقرة.

وبدلاً من "نشاز فوضوي" تحتفي هذه الروايات بترابطها الكلي المعقّد.

 

٥

ومع ذلك فإن لوكاس يركّز على سمة واحدة فقط في هذه النزعة الأدبية الجديدة. هذه الروايات لا تبهجنا بأصواتها المتضادة فحسب، بل إنها تأخذنا إلى متاهة ممتعة قبل هذا وذاك. الكتب التي يصفها لوكاس مملوءة بمنعطفاتٍ حادة وطرق مسدودة لكننا دائما ما نصل فيها إلى محطتنا الأخيرة. إن براعة مؤلفيها لا تكمن في خلق سلسلة من الأصوات فحسب، بل في بناء سردٍ متماسك من قطع وشظايا متباعدة في ظاهرها.

بعبارة أخرى، نزعت المحاولات السابقة لكتابة روايات متشظية إلى الإعلاء من شأن المحتوى بدلاً من الشكل. أما الاتجاه الحالي للرواية المتشظية فيتمثل في اهتمامٍ لا يني بالشكلانية في الوقت الذي يبدو، ظاهريا، أن هذه الروايات ترفضها.

 

٦

رواية جينيفر إيقان "زيارة من فرقة غون" مثالٌ بيّنٌ على قولي هذا. كل فصل من الرواية يقدم انفصالاً تاماً، إذ تتغير الشخصية الرئيسية وتتبدّل الحبكة ويتقلّب الأسلوب النثري. لكننا لا ندرك أن إيقان قد واصلت مهمّتها وأكملت كل حبكة ظننّا أنها أهملتها إلا بعد أن نفرغ من قراءة الكتاب. كل قصة تُمنح قفلة ما في خلفية الفصل اللاحق.

ما التخلي عن الشكل إلا وهمٌ. لقد استطاعت إيقان السيطرة على الشكل طوال الوقت.

هذا التماسك والتلاحم المخفي يظهر كثيراً في معظم الروايات المؤثرة في القرن الحادي والعشرين كرواية "سحابة أطلس" أو "التكفير." تبدو الروايات مفككة ورخوة في أول وهلة، لكنها في حقيقة الأمر محكمة ومشدودة. في البداية تصل إلى أيدينا متنكرة في زيّ محاكاة لما بعد الحداثة، على رغم أنها لا تؤمن بمعتقدات ما بعد الحداثة.

 

٧

إن هذا تحول ملحوظ في مسيرة الأحداث. وله علاقة مباشرة بالتحول الذي حدث مؤخراً في كيفية نشوء شهرة الكتّاب في هذه الأيام.

قبل جيل من الآن كان النقاد الأكاديميون هم الذين يقررون مَن هم أبرز الروائيين. أما الآن فالأساتذة والطلاب في برامج الكتابة الإبداعية هم مَن يصنع نجوم الأدب.

حين كان نقّاد الأدب الأكاديميون يملكون زمام الأمور، كانوا يُعلون من شأن النصوص المبهمة والتي تناسب وسائلهم في التأويل والفهم، نعم هكذا كان الأمر تماماً. وفي الجانب الآخر، يتذوق الكُتَّاب في برامج الدراسات العليا للفنون والآداب هذه النصوص أيضاً، لكنهم يولون اهتماماً أكبر للعناصر الفنية، كالحبكة والحوار والتسارع وبعض الجوانب الأخرى التي كانت تُعتبر أساسية حتى وقتٍ قريب إلى أن قلل النقَّاد من أهميتها في العقود الأخيرة.

حين كنتُ طالباً في الأدب، قلّما كان أساتذتي، الذي هم نقَّاد أكاديميون وليسوا روائيين، قلَّما كانوا يذكرون تلك العناصر الفنيّة على ألسنتهم. بل إني أتذكر أن أحد الأساتذة كان يتشدق في إحدى المحاضرات بانتقاد الطلابٍ المسرفين في التركيز على حبكة الرواية. كان يبدو أن لدى هذا الاستاذ أموراً أهمّ ليفكر بها أكثر من تفكيره في قصة الرواية. وفي الوقت نفسه، كان لدى المختصين في الجامعات التي تدرّس برامج الكتابة الإبداعية أنماط مختلفة يولونها جلَّ اهتمامهم ودراستهم. سمعتُ مرة أن أحد أساتذة هذا البرنامج طلب من التلاميذ أن يكتبوا "رواية سوبر ماركت" كيما يجبرهم على التفكير بجدية في كل المكونات اللازمة لكي يُعرض الكتاب على الأرفف البارزة أمام ممر الخروج عند المحاسبة في المتاجر.

كان من الصعب جداً التصديق أن هذين المنهجين المختلفين للسرد يحتفى بهما بالقدْر نفسه وفي الجامعة نفسها. كان على أحدهما أن يتنازل.

 

٨

لكن الغريب أن أيّا منهما لم يتنازل.

يكمن جمال الرواية المتشظية الجديدة في أنه في وسع الكاتب أن يجمع بين هذين المنهجين. فالرواية المتشظية تراعي جانب التعقيد، هذا الإله الذي يقدّسه نُقَّاد الأدب، لكنها في الوقت ذاته تتميز بإخلاص مبجل للحبكة، والتسارع، وكل العناصر الأخرى في المهارات التقليدية للكتابة. كل العناصر التي تفضّلها النخبة المثقفة وتلك التي يفضلها القراء العاديون مغلفة بغشاوة فاتنة. لقد أثبت التجريب الروائي لا يتعارض مع كون الرواية مقبولة ومستساغة عند عموم القراء.

شخصيا أنجذب لهذه الروايات —وأتوقع أن كثيرين مثلي منجذبون أيضا— لأنها تقوم على المهارة في إرضاء نمطين متضاربين من دون تنازلات واضحة.

 

٩

ملاحظة عابرة: السرد المتشظي ليس اتجاها جديدا في أدب الرواية فحسب. في عام ١٩٧٨ كانت اللقطة في الإعلان التجاري التلفزيوني ذي الثلاثين ثانية تُقطع كل ٣.٨ ثانية. وفي عام ١٩٩١ أصبحت اللقطة تُقطع كل ٢.٣ ثانية في إعلان بالطول نفسه. أما فيديوهات الموسيقى فكانت تعتمد على إيقاع أكثر تسارعا حيث تُقطع اللقطة كل ثانية وستة أجزاء من الثانية.

الرواية إذن لا تخلق التغيرات بنفسها، بل تستجيب للتغيرات. كل أنواع الفنون تقريباً تطمح للوصول إلى حسٍّ مرضٍ من هذه الإزاحة.

 

١٠

مرّت الرواية المتشظية بثلاث مراحل في العصر الحديث. رواية شيروود آندرسون (وينسبورغ أوهايو" (١٩١٩) تمثّل المحاولات الأولى لأخذ سلسلة من القصص القصيرة وتحويلها إلى راوية. سمّى ألفريد إلتون ڤان فوگت هذا النوع من المقاربة "المقاربة المُدمجة" ثم بنى سمعته كروائي من جمع فتات القصص القصيرة التي كان يكتبها وحزمها في كتب تشابه إلى حد بعيد أو قريب روايات الخيال العلمي.

كان دافع ڤان فوگت في الأصل الربحَ المادي. وعبّر عن ذلك بقوله في أحد الحوارات: "الرواية تُباع بعكس القصص القصيرة الفردية التي لا يشتريها أحد. من هنا نشأت الفكرة العظيمة، وبدأت الرواية المُدمجة بالظهور." أكبر فائدة جناها ڤان فوگت هي أنه استطاع أن يبيع نصوصه نفسها مرتين. وقد هوجم من قبل الكثيرين لأنه كان يبيع الخردوات المستعملة في رواياته، الأمر الذي ردّ عليه الكاتب بقوله: "أتعجَّب حقاً من هؤلاء الناس. بالنسبة لي كانوا مجرد هواة لا أكثر، هواة لم يفهموا اقتصاديات كتابة روايات الخيال العلمي."

 

١١

ومع ذلك فما يدعى "المقاربة المدمجة" قادرة على إنتاج أعمال أدبية بجودة عالية. بعض الروايات العظيمة في القرن العشرين يمكن تصنيفها على أنها تحف أدبية خالدة من "الروايات المدمجة" مثل رواية وليم فولكنر "اهبط يا موسى" أو راوية تيم أوبراين "الأشياء التي حملوها." ما تزال استراتيجية رواية "وينسبيرغ" تجد مؤيدين لها إلى يومنا هذا. فرواية إليزابيث ستروت "أوليف كيتريدج" الحائزة جائزةَ بوليتزر عام ٢٠٠٩ ورواية توم ريتشمان "الحريصون على النقص" (٢٠١٠) تتشاركان مع النوع القديم الذي تبنّاه شيرويد آندرسون وليس مع روايات إيقان وميتشيل وآخرين ممن ذكروا أعلاه. إلا أن هذه الروايات المدمجة تساهم في صعود هذه الميزة الجمالية الجديدة للكولاج والتراكب.

 

١٢

علَّق جاي ماكينيرني مؤخرا قائلا: "أشك في أنه لو نُشرت مجموعة "أهل دبلين" القصصية في السنوات الأخيرة لسُوِّقت على أنها رواية."

 

١٣

اكتُشفت الرواية المتشظية على يد الروائيين التجريبيين في أواخر خمسينات القرن العشرين. لكن مفاهيمهم عنها كانت تتعارض تماماً مع مفاهيم شيروود آندرسون وممارسين آخرين نظَّروا للرواية المدمجَة، وتحمل توافقاً فقط مع النمط الجديد للرواية المتشظية ممثلة بإيقان وميتشيل وآخرين. لقد رفض منسوبو حركة الطلائعية الفنية التي ظهرت في خمسينات القرن العشرين وستيناته أن يدمجوا الشظايا النصية لفنهم، وابتكروا طرائق جديدة لخلق حسٍّ من الاضطراب والفجوات عند القارئ.

كان أقصاها محاولة ويليام بوروز توظيف طريقة "التقطيع" التي تخلق درجة من العشوائية المتعمدة في نثره. لم يخترع بوروز هذا التكنيك، ففي عشرينات القرن العشرين أعلن تريستان تزارا الدادائي قبله أنه يمكن خلق الشعر بسحب كلمات من قبعة. حرفياً من قبعة، وهي في حالة تزارا قبعة ساحر سوداء. استغنى جون دوس باسوس عن القبعة، لكنه جرب في الثلاثينات تقنيات قابلة للمقارنة، حيث أدخل قطعا من عناوين الصحف وأجزاء من المقالات والأغاني في عمله "ثلاثية الولايات المتحدة الأمريكية." وقد فعل دوريس ليسينج الشيء ذاته لاحقاً في كتابه "المفكرة الذهبية" (١٩٦٢) وفي ظني أنه حقق في هذا الشأن نتائج أفضل من دوس باسوس. أما جيمس گراهام بالاد فقد اتبع المنهاج نفسه في "معرض الفظائع" ولا غروَ إذا علمنا أنه طلب من بوروز، النصير الأكثر تطرفاً لطريقة "التقطيع" المضادة لطريقة "التجميع،" أن يكتب مقدمةً للطبعة الجديدة من هذه الرواية.

 

١٤

أمدّنا المنعطفُ الما بعد حداثي في الأدب بمجموعة من التقنيات التي تحوّل الرواية إلى قطع من الشظايا الدلالية.

فرضت هذه الروايات على القارئ متطلبات غريبة وغير مسبوقة. في مطلع رواية "لعبة الحَجَلة" يعتمد خوليو كورتاثار طريقة غير متسلسلة في التحرّك خلال الرواية، بادئا روايته بالفصل ٧٣ وخاتما إياها بالفصل ١٣١.

 أما جيمس گراهام بالارد فقد اعتمد منهجاً أغرب من هذا في روايته "معرض الفظائع" إذ يقول في مقدمة كتابه: "ببساطة وبدلاً من أن تبدأ بمطلع كل فصل، اقلب الصفحات حتى تصل إلى مقطع يشدُّ انتباهك." وحفّز إيتالو كالفينو في رواية "لو أن مسافرا في ليلة شتاء" قرّاءه على توقع أن السرد سيستمر على وتيرة واحدة، ثم فجأة يُربك السير بعوائق وتقطّعات مستمرة. على الجانب الآخر فإن ريموند كوينيو يعيد القصة المضجرة نفسها ٩٩ مرة في رواية "تمارين في الأسلوب" بينما يتعمد فلاديمير نابوكوڤ في "النار الشاحبة" أن يُخفي الرواية في نص يتنكّر على هيئة شروحات أكاديمية لديوان من الشعر الحديث.

 

١٥

حتى النثر اللاسردي أضاف تقنيات جديدة أيضاً، فقد نشر رولان بارت سيرته الذاتية عام ١٩٧٥ وقسَّمها إلى شظايا أو أجزاء مرتبة ترتيباً أبجدياً. بُعيْد ترجمة هذا العمل إلى الإنجليزية، أخبرني أحد الأصدقاء أنه يرغب في تجربة هذا المنهج في الرواية أيضاً، حيث أراد أن يكتب فصولاً تحوي عناوين وصفية بسيطة، ثم يرتب هذه الفصول في ترتيب أبجدي من الألف إلى الياء. الهدف من ذلك كما عبَّر عنه هو "أن يكون مشهد الذروة في zoo أو حديقة حيوانات."

ما عبَّر عنه صديقي بسخرية سرعان ما تحول إلى حقيقة.

إذ نشر ميلوراد بافيتش "قاموس خازارس" في ١٩٨٤، وفيها تفوق على بارت في تضمين ثلاث قصص متفرقة ومتناقضة في كتاب واحد، كل قصة متنكرة في هيئة معجم بترتيب أبجدي.

الشيء الوحيد الذي فوَّته بافيتش هو "حديقة الحيوانات."

 

١٦

"لقد أردت حقاً أن أقبل عرضه بخصوص حقوق الطباعة لكن قدراتي محدودة، كما أن القصص القصيرة المنشورة في كتاب لا تُباع جيداً في أمريكا، لذا تغاضيت عن الفكرة مُكرهًا."

(من رسالة رفض الناشر الأمريكي لكتاب جيمس جويس "أهل دبلين")

 

١٧

لكن المثال الأبرز للنثر اللاسردي في الرواية المتشظية يجيء من لودڤيگ ڤيتگنشتاين، في كتابه (أطروحة الفلسفة والمنطق) التي سحرت القارئ وأربكته ببياناتها الرقمية التي تعرض في ظاهرها فلسفة مترابطة لكنها يمكن أن تُقرأ في نفس الوقت باعتبارها نوعا من الشعر.

قدَّم ڤيتگنشتاين تصريحات باذخة منها:

1.21: كل عنصر قد يكون قضية أو لا يكون قضية بينما تبقى كل الأشياء الأخرى ثابتة. 

أو

2.027: المحسوسات، والثوابت، والجوهريات شيء واحد، إنها الشيء نفسه.

 

مثل هذه الجمل، على حد فهمي، ليست بعيدة عن هذا المعنى:

الرجل والمرأة

واحد

الرجل والمرأة والطائر الأسود

واحد

لِمَ التعجب إذن لو حاول الكتاب التجريبيون أن يرسموا مقارنة واضحة بين أعمالهم وبين هذه الأطروحة؟

لو قلنا إن الشظايا أكثر من مجرد لعبة لعبها الروائيون وأخذوا امتياز حقوقها كأداة خارقة لفهم الواقع، فسيكون ڤيتگنشتاين بهذا المعنى هو النبي وصاحب المنهج الذي قدم فلسفة تُكمل السرد الناقص والمكسور في روايات ما بعد الحداثة.

 

١٨

لكن الروايتين الأبرز من بين روايات ما بعد الحداثة والأقرب إلى أطروحة الفلسفة والمنطق هما رواية فيليب ديك "فاليس" ورواية ديفيد ماركسون "عشيقة ڤيتگنشتاين." كلتا الروايتين أظهرتا صوت الراوي كما لو كان مختلاً عقلياً.

فهل ستأخذنا الروايات التي تتخذ أطروحة الفلسفة هذه نموذجا إلى الواقعية أم أبعد منها بكثير؟

 

١٩

أما الأعمال الأدبية المنثورة في أيامنا هذه فتمثّل المرحلة الثالثة لتطور الرواية المتشظية. حيث ركزت المرحلة الأولى على الرواية المُدمجة. وقدَمت المرحلة الثانية الرواية المجزأة. أما المرحلة الثالثة —والتي قد تكون الأخيرة— فتسعى إلى كمال الكمال، الجمع المتقن للشظايا في قالب بديع، بحيث لا تُحاكم العشوائية ولا تُمجد الانفصام في الشخصية.

الشظايا هنا ليست قطعاً بلورية متفرقة، بل أشبه ما تكون بأحجية القطع المركبّة.  

 

٢٠

الغريب أن أول عمل روائي يستكشف هذه التقنيات بحقّ ويبشّر بصعود الرواية المتشظية كان عن بانوراما الأحجيات. رواية جورج بيريك "الحياة: دليل مستخدم" (١٩٧٨) تحكي قصة رجل ثري غريب الأطوار مهووس بحل الألغاز، والألغاز تمثل استعارة أساسية في الكتاب، سواء كعنصر موحد للحبكة أو كمخطط هيكلي لوصف بيريك السردي لكل ما يحدث داخل أسوار شقة باريسية في ٢٣ يونيو ١٩٧٥.

لم ينظر النقاد إلى العمل عند نشره على أنه نبوءة لمستقبل تيَّار السرد الأدبي. لقد استطاع الكاتب بفضل قدراته أن يجعل كل قطعة من هذه الألغاز غريبةً غرابة الناس الذين وصفهم في روايته. ومع ذلك فقد اعترف الجيل اللاحق بهذه الرواية ووجدت قبولا في ثقافة أدبية تحوّل "سحابة الأطلس" إلى فيلم بطلُه توم هانكس وتتوَّج رواية "زيارة من فرقة غون" بجائزة بوليتزر.

 

٢١

لكن إن تحتَّم عليَّ أن أختار لحظة فارقة في مسيرة ظهور أسلوب التشظّي، فسأشير دون تردد إلى رواية دون ديليلو "الجحيم" (١٩٩٧). حين طلبت صحيفة نيويورك تايمز في عام ٢٠٠٦ من الكتَّاب والنقَّاد التصويت على أفضل الروايات الأمريكية في الخمس وعشرين سنة الأخيرة، اختيرت رواية "الجحيم" في المركز الثاني بعد رواية توني موريسون "المحبوبة." أظن أن هؤلاء المصوتين اعترفوا —كما حدث معي— بمهارة ديليلو الخارقة في عرض قصة ممتدة ومفتوحة على أكثر من تأويل، لكنها مُحكمة ومنسّقة في الوقت نفسه.

حين نُشرت رواية "الجحيم" أول مرة، كانت رواية فريدة من نوعها في نظر القراء، لكن ومع مرور السنوات بدأنا نرى كيف بشّرت هذه الرواية بتطورات جديدة. ليس ذلك في طريقة تحويلها لرواية متينة ومركبة إلى رواية متشظية فحسب. بل في غلاف الرواية أيضا والذي يحوي صورة مشؤومة لبرج التجارة العالمي، وكل ذلك قبل أن يتشظَّى البرج فعلاً بشكل مرعب كما حدث بعد ذلك بأربع سنوات.

كان هذا الكتاب إذن بطريقة ما أولَ رواية كتبت في أدب الحادي عشر من سبتمبر حتى قبل أن يُخلق هذا المصطلح. لم تكن ميشيكو كاكوتاني تبالغ حين أعلنت عام ٢٠١١ أن الرواية "لم تكتفِِ فقط بالقبض على الغرابة السوريالية للحياة في النصف الثاني من القرن العشرين بل وتنبأت بترنّح السفينة الأمريكية في بحر الإرهاب ومتطلبات الألفية الجديدة."

 

٢٢

"يوماً بعد يوم، أقرأ المزيد والمزيد من القطع المتشظية. وأنتم كذلك. وسائل الإعلام الرقمية بكل أشكالها مؤلفة في حقيقة الأمر من شظايا. حتى المسافات الطويلة للنصوص الموجودة على الشبكة يتم تجزئتها عن طريق ارتباطات تشعبية أو عناصر تفاعلية أخرى (أو حتى إعلانات). وهذا ليس شيئا جيداً ولا شيئا سيئاً بالضرورة، إنه فقط وببساطة جزء من نمط القراءة الحديثة."

(غاي باتريك كانينغهام، "التشظي: الكتابة في العصر الرقمي")

 

٢٣

ليست مصادفة إذن أن تأتي شرعية كتب الرسوم المتحركة —المتعارف على تسميتها الآن الروايات المصورة— من خلال الفترة نفسها التي بدأ فيها تيار السرد الأدبي يتأثر بفكرة التشظي بشكل ملاحظ. إن الحدود والمسافات الزمنية التي تفصل الإطارات في الرواية التخطيطية تشبه كثيراً الفجوات التي نشعر بها في السرد.

تكتب ناومي پالاس: "إن استخدام المسافات الزمنية يلفت النظر إلى طبيعة التجزئة لكتب الرسوم المتحركة السردية، وتمنح الكاتب مساحة أوسع لاستكشاف العناصر الديناميكية مثل الذكريات المتناثرة على الصفحة."

تسعى الرواية المصورة، أو الشكل القديم للرواية المتشظية، إلى خلق انطباع عام بالاستمرارية وتنساب حتى في الوقت الذي تكون فيه أدواتها البنائية الأساسية منفصلة ومتقطعة. ولذلك فإن شرعية كتب الرسوم المتحركة هذه ليست مجرد إعلاء لثقافة البوب والترحيب بها في عالم النخبة المثقفة والقراء العاديين، لكنها تؤشر أيضا على إمكانية التقارب بين السرد الأدبي والسرد المصور من حيث أن هناك نوعا من الشكلانية يكاد يسود في كل منهما.

 

٢٤

في عام ٢٠٠٩ أعلن ماث ستيورات عن عزمه التغريد بروايته الأولى "الثورة الفرنسية" على تويتر في قطع صغيرة لا تتجاوز ١٤٠ حرفاً. بدأ مشروعه هذا في يوم الباستيل وأنهاه بعد ذلك بأربعة أشهر في ٢١ أكتوبر ٢٠٠٩. يتكون كتابه مما يقارب ٣٧٠٠ تغريدة، وقد طبع مؤخراً ونُشر بالطريقة المعتادة التي تنشر بها الكتب.

انقاد كثير من المؤلفين بعد ذلك لما تبّشر به رواية تويتر. وفي اليابان انتشرت روايات الجوالات وأصبحت من الأكثر مبيعاً.

هذه "الكتب" المقلصة والتي تحوي فصولا مما يقارب ٧٠ إلى ١٠٠ كلمة ولَّدت نموذجاً جديداً في تجارة الرواية ونشرها وتوزيعها.

 

٢٥

يمكن تقسيم كافة المناهج التجريبية في الفن إلى فئتين: تجارب الفصل وتجارب الدمج. فإما أن تُفصل الأشياء أو تُدمج مع بعضها. إما أن تكون من جماليات التحلل أو من جماليات الموجة الواحدة المتدفقة.

يحدث الانشطار خارج حيز السرد لمتصاعد، ولعله يحدث في كل أشكال الفنون. فكروا مثلا في ثالونيس منك عازف الجاز المتبني لفكرة التشظي، وبيل إيڤانز على نقيضه تماماً، المتبني للتدفق الغامر. أو قارنوا بين الأشكال المتقابلة للتكعيبية واللوحات المائلة للانطباعية.

كان مقدّراً على السرد في الحركة الطلائعية خلال معظم سنوات القرن العشرين أن ينحاز للنمط المتدفق بدلاً من منهج الفصل. لقد لعب جيمس جويس الدور الأكثر جرأة في التاريخ وكان قراره حاسماً. إذ أدى تأييده لتيار الوعي إلى إحداث تغيرات في مسيرة الراوية لأكثر من نصف قرن. لقد وضح جويس الطاقة الكامنة لنوع جديد من الرواية، تكون فيها كل الخطوط الفاصلة سواء في علامات الترقيم أو في الجوانب النفسية، في الحبكة أو في الفكرة، معرضة لأن تتمزق إرباً. هذا التأويل لأدب القرن العشرين ليس حكراً على جويس فقط (الذي ادعى أن رواية يوليسس ليست مجرد تمثيل لتيار الوعي فقط، بل أنها قدمت "ثمانية عشر زاوية لوجهة النظر السردية وأنماطا عديدة، أغلبها ليست معروفة أو لم يكتشفها من قبلُ أقرنائي في الكتابة")، وسواء كان هذا أمرا جيدا أم سيئا فقد كانت تلك هي النظرة التي مجدها به الجيل الذي جاء بعده. ومع جهود أساتذة آخرين في منهج التدفق السلس (مثل ويليم فولكنر وفيرجينيا وولف وبروست) استطاع جويس أن يؤسس نبرة مختلفة في كتابات جيلين كاملين من كتاب الحركة الطلائعية.

أحدث انفجار ما بعد الحداثة في السبعينات والثمانينات تغييرا طفيفا في هذه الجمالية. لم يحمل أحد من هؤلاء الكتّاب أي دمغة مشابهة للكتاب الذين سبقوهم. إيتالو كالفينو مثلا ليس جيمس جويس، پول أوستر ليس وليم فولكنر. لكنهم زرعوا بذرة وبنوا مثالاً لا يزال يؤثر إلى الآن في أساسيات السرد الأدبي. ومع ذلك فقد حدث منعطف غير متوقع: كل تقنيات الفصل والدمج التي كانت تتبع للحركة الطلائعية تعرضت للتدجين والكبح. باختصار أصبحت جزءاً من مكونات التيار السائد.

 

٢٦

نعم، الرواية الأدبية تتناثر على شكل قطع صغيرة. وسأتنبأ بأن هذا المنهج ما زال لديه الكثير ليقدمه. الحقيقة أن تجارة النشر أصبحت مجزأة أيضا —وإن كان بطريقة مختلفة— وهذا يقوّي الاتجاه الجديد الذي يعتنق فيه الكتّاب منهج do it yourself في وسائل الاتصال ليعرضوا سلعهم المعرقلة عمداً إلى جمهور لم يعد يدفع الكثير.

ومع هذا، كل المناهج الجديدة تتضاد مع بعضها، والنهم الرائج اليوم للتجزئة والفصل قد يستبدل غداً بالميل نحو سردٍ مصقول بحدة. لكن هذا قد يحتاج إلى سنوات من المستقبل ليحدث على أرض الواقع. أما في اللحظة الراهنة، فلا شيء يبدو أقل قبولاً وأقل احتمالا من ظهور مجتمع أدبي يعتنق شكل الرواية المتجانسة تجانساً تاما. كلنا على الأغلب ننظر بتوجس إلى الروايات الموحدة والمرتبة والمعروضة أمامنا ولنا أسبابنا في ذلك، أليس كذلك؟ كانت تلك الشخصية هنا وذهبت هناك، وفعلت كذا وكذا. لقد انتهى زمن الرواية المرتبة ولم يعد لها من مجال إلا عند السياسيين والأيديولوجيين. أما البقية الباقية منا، فحسناً، كلنا وقعنا سُجَّداً ودعونا الله ألا تخدعنا مثل هذه الروايات مجدداً. دعونا إذن نعضُّ بالنواجذ على البديل التالي الأفضل. دعونا نجمع قطعنا الصغيرة، أجزاءنا الصغيرة، ونرتبها في عمل متكامل ممتع. سيكون هذا كافياً جداً إلى أن يأتي الزمن بنهج أدبي روائي أفضل.

 


ترجمت سهام العريشي هذه المقالة لصالح "سبيل" بإذن خطيّ من الكاتب ومجلة Modern Literature حيث نشرت المقالة لأول مرة.


تيد گيويا :

كاتب ومؤرخ موسيقيّ وعازف جاز أمريكي ألف عددا من الكتب في النقد والموسيقى.