الجدران في السعودية: الوظيفة الأيديولوجية للعمارة

تعدّ الجغرافيا الثقافية حقلا حديثا من الحقول البينية في الدراسات الثقافية والجغرافيا البشرية يعنى بدراسة المنتجات الثقافية والأعراف الاجتماعية وعلاقاتها بالسكان والأماكن. كما يُعنى بالبيئة والفضاء المكاني وسلوك البشر فيه، وبهندسة العمران والمباني، لا من الناحية الجمالية والمعيارية بل من الناحية الأيديولوجية والأخلاقية، إذ يُنظر إلى الحيّز المكاني وما يشغله في هذا الحقل باعتباره حيزا للصراع والتمثيلات الاجتماعية/ الثقافية/ أو السياسية. وقد تطور هذا الحقل المعرفي، كما هو الحال بالنسبة للدراسات الثقافية عامة، تحت تأثير نظريات ميشيل فوكو وأنطونيو گرامشي وغيرهما حول صراع القوى والهيمنة التي تتمثل في العديد من الصور والأشكال الظاهرة وحتى المستترة وغير الملحوظة.  

 

من ناحية أخرى، يُنظر إلى الفضاء المكاني في هذا الحقل باعتباره أداة من أدوات السلطة الأيديولوجية. وهو المفهوم الذي تخمر في ظل فلسفة لويس ألتوسير وأفكاره حول الأيديولوجيا والسلطة، وتعريفه الشهير للأيديولوجيا بأنها "تمثيلات العلاقات المتخيلة القائمة بين الأفراد وشروط وجودهم في الواقع، والتي تتطلب أن يعيش الفرد علاقة حقيقية ومتخيلة على حد سواء." بناءً على هذا التصور يزعم الجغرافيون أن الفضاءات المكانية بما هي بيئة الأفراد ومسكنهم فإنها تشكل أدوات مثالية للتوظيف الأيديولوجي وتشكيل العلاقات المتخيلة. فمن خلال إعادة تصميم الحيز المكاني وتنظيمه، وملئه بالعلامات والصور والإشارات البصرية التي تحيل إلى رسائل أيديولوجية، يمكن لهؤلاء الأفراد صياغة الصور والتمثيلات حول تاريخهم وحاضرهم، كما يمكن قولبة وإعادة تشكيل معنى الهوية للسكان الذين يشغلون هذه الفضاءات المكانية. فالهدف الأول للجغرافيا الثقافية هو فهم كيف يفكر الأفراد بالمكان، وكيف يفكرون بمواقعهم وأدوارهم إذ تتشكل وتحضر—أو تغيب— في ذلك المكان.

 

إن محاولة فهم البعد الأيديولوجي للفضاء المكاني تساعد على فهم سلوك الأفراد من جهة، وتوقعاتهم حول سلوك من يشاطرهم هذا الفضاء من جهة أخرى، كما تعين على فك شفرات الفضاء المكاني المتضمنة في رموزه ورسائله البصرية بواسطة ساكنيه وزائريه؛ بعبارة أخرى، ما يتبادر إلى الذهن عند رؤية الحيز المكاني حول هوية السكان وثقافتهم. ماذا تقول الجدران والعلامات المادية الأخرى في المكان عن صراع القوى؟ ما الذي نفهمه عن مجتمع ما حين نرى، مثلا، واجهات المنازل الزجاجية أو نوافذها مطلة على الشوارع العامة، ومنخفضة إلى مستوى النظر بلا تحفظ من العيون الغريبة في الخارج؟ وما الذي نفهمه في المقابل حين ترتفع النوافذ والواجهات الزجاجية بعيدا عن مستوى النظر، أو حين تغطى هذه النوافذ بالجدران الاسمنتية الخارجية؟ وكيف يمكن قراءة الفضاء المكاني والعمارة في مجاليها العام والخاص؟ ثم كيف يمكن فهم دلالات الجدران وعلاقاتها بسياسات الهيمنة وتنظيم القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تتجلى من خلال تصاميم المباني وتوزيع الأماكن والحدود؟

 

كان دافعي لهذه الدراسة (وهي مشروع غير مكتمل) هو ما تحمله ذاكرتي، وأنا من جيل الثمانينات، عن نمط العمارة في البيوت، وحتى نظام تخطيط الطرق وتوزيع المساحات في الفضاءات العامة والخاصة في القرية الساحلية التي عشت فيها شرق السعودية وفيما جاورها من قرى وحواضر ناشئة. وهنا لا أعني التطور الطبيعي فيما يتعلق بمواد البناء والهندسة والتصميم وجمالياتهما، بل أعني الشخصية الثقافية للبيوت والطرق. ففي الحي القديم المجاور للخليج، الذي كان فيه بيت جدي، كانت أغلب البيوت الطينية تتكون من فناء داخلي غير مسقوف تحيط به الغرف التي يتفاوت عددها حسب قدرة العائلة وحالتها المادية، وفي الجانب الآخر مرافق البيت وخدماته كالمطبخ والحمامات وربما مجلس للاستقبال، وأحيانا طابق علوي يحوي غرفة علوية وبعض الشرفات المطلة على البحر. كانت مداخل البيوت أقل تعقيدا وتعددا، وكان الباب الخارجي في الغالب مفتوحا ومغطى بقطعة قماش لتوفير بعض الخصوصية للسكان. أما النوافذ فكان أكثرها يطل على الفناء الداخلي وبعضها على الخارج، وتكون على مستوى البصر بحيث تتيح، إلى جانب التهوية، قدرا من التواصل مع العالم الخارجي. كان الفناء الداخلي في هذه البيوت يشكل مساحة حرة للّقاء والعمل والطعام ومسامرة أفراد العائلة والاجتماع بالجيران والأصدقاء. بل كان في كثير من الأحيان يشتمل على ركن للدواجن التي تربيها الأسرة، وربما بعض النخيل وأشجار اللوز والليمون. وبينما كانت بعض البيوت تشتمل على مجالس للرجال، فإن النساء كن غالبا ما يستقبلن الزائرات (وحتى الزوار) في الفناء الداخلي المزود بركن للجلوس والتمتع بقهوة الضحى أو شايه. لم يكن الفصل بين الجنسين أولوية في كثير من البيوت، حتى بيوت تلك العائلات الممتدة التي تحتوي فروعا عديدة من عائلة واحدة، خاصة في الفناء الذي كانت تتحرك فيه النساء بأريحيةٍ بحضور الرجال. كل ما كانت تحتاجه المرأة في البيت أمام أحمائِها أو أولاد عمومتها هو وضع رداء طويل زاهي الألوان "مشمر" يلتف على الجسد ويوفر قدرا من الاحتشام والاحتجاب. ولم يكن منظر هذا الغطاء غريبا أو شاذا في الشوارع والطرق أيضا إذ كانت ترتديه النساء في زياراتهن لبيوت الجيران أو لقضاء حاجة قريبة من المنزل.

 

ظلت بعض هذه الظواهر المعمارية موجودة إلى عهد قريب، لكن تلك العمارة سرعان ما استبدلت بنموذج حديث لا يشبه الماضي في شيء. إذ مع موجة التحديث العمراني التي اجتاحت المنطقة، كما بقية المناطق في السعودية مع تحسن الأوضاع الاقتصادية لكثير من العائلات، انتشر نموذج معماري مغاير اختفى منه الفناء الداخلي في كثير من المناطق (أو أبعد خارج المنزل ليصبح مساحة تفصلها عن الداخل الواجهة الأمامية، وعن الخارج الأسوار الخارجية)، كما اختفت سمات عديدة في كثير من المناطق، كالمشربيات في العمارة الحجازية مثلا، والألوان الزاهية للروازن الخشبية في الشرق والغرب، وارتفعت النوافذ وأضيفت إليها الأقواس الخارجية، وبرزت الأسوار الخارجية التي تحيط بالمنزل وتبعده قدر الإمكان عن المحيط الخارجي، كما تعددت المداخل وظهرت في كثير من البيوت مداخل جانبية أو خلفية للنساء، كما ظهرت مجالس إضافية لهن. وبنظرة شاملة، لن تخطئ العين ظاهرة الفصل الجندري بين الرجال والنساء في كثير من الفضاءات العامة والدوائر الرسمية وأماكن العبادة، كالمدراس والمستشفيات والشركات والمساجد والحسينيات. ولعل ما يستدعي المزيد من التأمل هو أن هذه النماذج العمرانية ذات الغاية الجندرية، والتي أزاحت النماذج المحلية وسادت في الغالبية العظمى من المناطق، تأتي غالبا على حساب التكلفة المادية، أو الوظيفة النفعية لأركان المنزل ومساحاته، وتتفوق غالبا على الشروط البيئية والمناخية.

 

ما من شك أن ظاهرة عزل النساء ليست ظاهرة يختص بها المجتمع السعودي، إذ طالما شكل حضور النساء إرباكا للخطابات المتحفظة والمعتمدة على البعد الديني لتنظيم الأخلاق والفضائل الاجتماعية التي لا تكتمل إلا بتغييب الجسد الأنثوي. هذا أمر شائع في كثير من المجتمعات المتدينة الشرقية والغربية على حد سواء. كما أن نظام العمارة الجندري هو نظام شائع في الثقافة العربية بشكل عام كما يفصل شاكر لعيبي في كتابه العمارة الجندرية. لكن المختلف في الحالة السعودية أن التحفظ على حضور النساء في الفضاءات العامة، والتوجه نحو عزلهن في الفضاءات الخاصة، لا يشكل مجرد ثقافة عامة أو شائعة، بل جزءا من الهوية الوطنية والخطاب السياسي، وسمة أصيلة مما يعرف بالخصوصية السعودية. فالدولة المؤلفة من مناطق مختلفة ثقافيا وبيئيا، والتي وجدت نفسها أمام هويات وثقافات متعددة، لم يكن بينها رابط قوي في مرحلة توحيدها على يد الملك المؤسس في بدايات التسعينات من القرن الماضي، سعت إلى إيجاد خطاب وطني يمثل هوية البلاد، وكان الخطاب الديني هو الأقوى أثرا لخلق هذه الهوية الموحدة كما توضح مضاوي الرشيد في كتابها الدولة الأكثر ذكورية. وقد أثر هذا الخطاب على وضع المرأة بشكل مباشر لأن الحلف السياسي/الديني الذي أدى دورا كبيرا في تشكيل معالم الدولة وضع المرأة في قلب خطابه الديني/الوطني، وجعلها أيقونة الفضيلة والشرف وحفظ الأسرة وضمان نقائها من شرور الاختلاط بالعالم الخارجي. كما أن الانتعاش الاقتصادي ساهم من جانب آخر في الاستغناء عن نشاط النساء في الفضاء العام وأدى إلى سيطرة الرجال على أغلب الأعمال، وسهل تعزيز ذلك التوجه الأبوي الذي أصبح هوية للدولة، والذي تبدت علاماته ودلائله، من بين عدة ظواهر، في تبدّل خارطة الحيز المكاني، وفي إنشاء عالم مواز للنساء لا يختلط بعالم الرجال، وفي تغير أنماط المساكن وتصاميمها وهيمنة النموذج الجندري المساجنستي في العمران. وإذا كانت الهيمنة تتحقق، كما يرى گرامشي، حين يحدث القبول بثقافة الطبقة المسيطرة وتتراجع المقاومة الثقافية، فإن هذه الهيمنة تحققت بصورة فاقعة في نظام العمارة السعودي، إذ انسحبت السمات المحلية الخاصة ببعض المناطق ذات الطبيعة الثقافية والعمرانية المميزة كالنموذج الحجازي والجبلي والساحلي لصالح نموذج عمراني أحادي لا هوية له إلا الحجب والفصل الجندري في الفضاءين العام والخاص. ورغم أنه لا يوجد نظام يحدد بصورة واضحة ما ينبغي أن يكون عليه نظام العمارة في المملكة إلا أن التوجه الجندري أصبح أشبه بنظام مكتوب تطبقه الغالبية لأنه يحقق الانتماء لتلك الهوية الوطنية، ويؤمن تحقق عامل الخصوصية والستر. وبمراجعة سريعة لبعض مقالات أو كتب المهندسين المعماريين، يظهر أن عامل "الخصوصية" هذا غدا على رأس أولوياتهم التي يحرصون ويشجعون عليها بغرض حفظ حرمة البيوت كما تسمى. وسنرى أن العديد من منظري العمارة السعوديين يدعون لمزيد من الخصوصية والاستقلالية (أي أن تتحول المنازل إلى وحدات مغلقة ذاتية الاكتفاء بأقل قدر ممكن من التواصل مع العالم الخارجي)، مما يعني مزيدا من الأسوار، مزيدا من الجدران والحواجز.

 

أجاب المهندس المعماري والشاعر محمد الماجد، في رده على سؤال حول العمارة وعلاقتها بالصراع الثقافي والنساء في المناطق الشرقية من المملكة، قائلا بأن البيوت الحديثة تعادي ساكنيها وتعمل ضدهم وضد علاقاتهم السوية ضمن نطاق العائلة، بعكس البيوت التقليدية ذات الفناء، والتي كانت مثالا على ما كان طبيعيا للمجتمع. فالنظام المعماري للبيت التقليدي القديم تنبع أسئلته من الاعتبارات الذاتية والبيئية الطبيعية والحميمة، لا من اعتبارات سياسية كما هو حال البيت الحديث. أما المرأة فكانت معيارا للحكمة والتوازن المعماري في البيت التقليدي إذ كانت معنية بكل التفاصيل في ذلك البيت. كما أكد الماجد أن من أهم أسباب انهزام النماذج المحلية أمام النموذج الجندري الحالي هي السلطة السياسية وهيمنة ثقافتها، وعدم وجود أساس قوي للثقافات المحلية، ونقص الوعي بالمقاومة المدنية، بالإضافة إلى عدم وجود تشريعات بلدية، والاستعداد المفرط للمكاتب الهندسية الاستشارية للمساهمة في بناء بنية مشوهة. وقد كانت شهادة الماجد تميل نحو تأكيد نظرية تأثر أنماط العمارة المحلية بالهيمنة السياسية وبالنموذج الجندري التي تقترحه. فالجدران القائمة بين الرجال والنساء داخل المنازل تدل على انهزام الثقافة المحلية لصالح النموذج المهيمن، كما تكشف أن العمارة والفضاء المكاني ليس بريئا أو خاليا من المعنى والقيمة الثقافية، بل هو مرتب ومنتقى ومعاد توزيعه ليوصل رسائل أيديولوجية للعين الفاحصة.   


سماهر الضامن :

باحثة في الأدب المقارن والدراسات الثقافية. صدر لها كتاب "نساء بلا أمهات: الذوات الأنثوية في الرواية النسائية السعودية" (٢٠١٠).