إدوارد سعيد ووعي الكارثة: المثقف الطباقي

ربما يكون مشروعُ إدوارد سعيد النقدي والفكري والموسيقي المشروعَ الأكثر حضورا وتأثيرا في الدوائر النقدية الغربية في القرن الواحد العشرين، حسب توصيف كلّ من كورنيل ويست وجوديث بتلر ونعوم تشومسكي وإيمانويل وولرستين، في سياق دراسة تمظهرات الاستشراق والاستغراب ودراسات ما بعد الاستعمار، ودراسات الهامش والمركز ودراسات العرق وسياسات الهوية. وتكاد تهيمن سرديات المنفى والشتات وآليات المقاومة الممكنة على مشروع سعيد المفارق للأكاديميا المنغلقة على نفسها. لقد كانت النكبة (١٩٤٨) ثم نكسة حزيران (١٩٦٧) ثم كارثة أوسلو (١٩٩٣) البدايات التاريخية التي شكّلت خطاب سعيد العلمانوي والإنسانوي والطباقي، وتمظهرات الهويات المتناقضة والمتنافرة والمتآلفة في نصوصه النقدية والسردية بدءا بكتاب "الاستشراق" ومرورا بكتاب "الثقافة والامبريالية" وليس انتهاءا بكتاب "العالم والنص والناقد". كلما عاينّا المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي في دول "العالم الثالث" نجد أن نبوءة سعيد المتعلقة بمشهد الاستشراق الجديد أو الاستشراقات الدوگمائية في صورتها البوليسية والمعرفية والأكاديمية (الاستشراق الذاتي، والاستشراق المضاد في علاقته مع تمثيلات المثقف الطباقي، والمثقف العضوي والمثقف الجماهيري) نبوءة تنويرية صحيحة، تتجلى في علاقة مأزومة بين الحاكم والمحكوم في العالم الثالث، وقد كان سمتها الراهن محكوما بأبوة ديكتاتورية تمارس دورا استبداديا وإقصائيا، مما أدى إلى اختزال الهوية في شكلها القومي أو الشيوعي أو العلماني أو الإسلاموي. من الجدير بالذكر أن الأزمة الوجودية للوعي العربي الجمعي والذاتي ظلت متأصلة في ثنائية الهوية (الضحية والجلاد، والمركز والهامش، وهكذا)، مما ولّد أجيالا غير منتمية لتراثها أو عمقها الثقافي، منبتّة عن صيرورة زمانها الحضاري، وعاجزة عن مجابهة أو حتى مسايرة سباق الإنتاج الغربي في جميع أبعاده، مما ساهم في اجترار خطاب الاستشراق الجديد والاستغراب، والكثير من المواقف الأصولية المتشددة دينيا، وسياسيا، وثقافيا واجتماعيا، أو كما يسميه محمد الجابري "العصاب الهوياتي". فظل المثقف العربي على وجه الخصوص متشظيا بين نزعته المستقلة بالوصول إلى خلاص تأويلي حضاري، وبين شعوره بالعجز والعقم الوجودي أمام سلطة مطلقة ديدنها تدجين المثقف وتذويب مشروعه في أنساق أيديولوجية تحكمها المصلحة المشتركة، والمكتسبات المادية والسقوط الأخلاقي للمثقف في أحضان حراس الثقافة الرسميين، والسقوط الأبدي في وهم الجوائز الأدبية والثقافية والتي تنتج لدينا مشروع المثقف المقاول، حسب الطاهر لبيب، وهو المثقف أو المثقف التقني حسب وصف برنارد راسل. المعضلة الجوهرية في مشروع المثقف المقاول تكمن في اتكائه على فشل مشاريع غيره ومشروعيته الإعلامية والرسمية، إذ لا أصالة لمشروعه الفكري سياسيا أو إنسانويا.

 

من خلال هذا السياق النظري والتاريخي، سأقوم بالتوسل بما يسميه سعيد "الهوية الطباقية" و "الأسلوب الأخير" كمنهجية تأويلية ونقدية لتفكيك السرديات الكبرى من الخطاب الإمبريالي والليبرالية الجديدة في سياقها الغربي والعربي، والهويات القاتلة، وتجليات المنفى لدى المثقف، ونزعة المقاومة والتي تجسدت في غير واحد من كتب سعيد. ثم سأقوم بالتأصيل لفكرة المنهج الطباقي السعيدي باعتباره منهجا موسيقيا فلسفيا وتأويليا، والأسلوب الأخير منهجا نقديا تبنّاه سعيد وعدل عليه وانعتق من بعض أصوله النظرية، من خلال تأثره بثيودر أدورنو وأنطونيو گرامشي. وانطلاقا من فكرة أدورنو الجوهرية "وعي الكارثة" والديالكتيك المضاد، والذي وظفه سعيد في استنطاقه ومساءلته لسرديات الهوية الطباقية بعد النكبة والنكسة واتفاقية أوسلو، فكانت سرديات الكارثة والهوية والمقاومة في كتب سعيد صورة طباقية مركبة، جعلها سعيد نصا مفتوحا على الأسلوب الأخير في تناقضاته الكثيرة، وجدلية الزمكان، وجدوى المقاومة بعد أوسلو، مما يجعلنا في حوارية مستمرة مع نصوصه التي تعيد كتابة التاريخ، أو ما يسميه سعيد "البدايات السردية". يقودنا هذا الفهم لأن نموضع موقف سعيد الفكري والنقدي، كنموذج إنسانوي متجدد للمثقف الطباقي الذي يجعل من حكاية الفلسطيني المأزوم في هويته والمجتث من وطنه، نصا مفتوحا على كل الثقافات دون السقوط في فخ التنازلات عن حق الضحية في كتابة حكايتها؛ فكانت هوية سعيد الفلسطينية مسرحا للمحو والكتابة والمقاومة، وهويته المقدسية، ذاتا مرتحلة، وهويته الكونية صيرورة لا تقبل القسمة على الثنائيات، بل تعيد كتابة الكارثة من البداية، وتجعل من مشروعه الموسيقي والفكري والنقدي شكلا من أشكال الأسلوب الأخير تاريخيا وجماليا وإبستيمولوجيا. لقد كانت عبارة محمود درويش شكلا طباقيا لمعظم نصوص سعيد: "من يكتب حكايته يرث أرض الكلام، ويملك المعنى تماما." كان موقف سعيد من ياسر عرفات واضحا جدا، بل وجريئا جدا في زمن يتقرب فيه المثقفون العرب من صاحب كل سلطان. كانت انتساب سعيد لمنظمة التحرير الفلسطينية أمرا رمزيا أكثر من كونه موقفا سياسيا محضا، وذلك لأن سعيدا كان ممتلئا بالشك الديكارتي فيما يخص قرارات عرفات ورؤيته، ولكنه تبرأ من هذه العلاقة بعد اتفاقية أوسلو. ورغم محاولات محمد حسنين هيكل استدراج سعيد ليكون شاهدا ومشاركا في أكبر صفقة تاريخية ضد مصير الشعب الفلسطيني، أصرّ سعيد على أن يكون المثقف الرسولي الذي كان يفرك أنف الثقافة في وحل السياسة.

 

لقد خطا سعيد خطوات بعيدة تجاوز من خلالها قراءة أدورنو للأسلوب الأخير في كتابات بيتهوفن وباخ وجولد وغيرهم، من خلال معاينة سعيد لتمظهرات المخيال الاستعماري والمركزي في السوناتا وأوبرا عايدة. وربما تشكل هذه اللفتة النقدية لدى سعيد المصل الجوهري الذي حقن به سعيد تأويلاته لعلاقة الشرق بالغرب والهامش بالمركز، ضمن ديالكيتيك مركب فكّكه سعيد في كتابيه "الاستشراق" و "الثقافة والإمبريالية." لقد كانت تمثيلات أوبرا "الناي السحري" التي ابتكرها الموسيقي النمساوي وولفغانغ موتسارت (١٧٥٦-١٧٩١) إقصائية وعنصرية، والذي يرى صورة الشرق العاطفي الموغل في العبودية والرق والشهوات في بلاط السلطان سليمان مثلا. ولهذا كان سعيد معجبا بنموذج الموسيقى الطباقي لدى باخ وبيتهوفن وغيرهم وذلك لتعدد مستوى النوتات الموسيقي وتحولاتها الهجين.

 

جديرٌ بالذكر أن مصطلح الطباق في الموسيقى الغربية مصطلحٌ كلاسيكي طوره الغرب في عصر النهضة وقام أدورنو بتبنّيه في تطوير نظريته عن الطباق في أعمال بيتهوفن، ليسبر علاقة الموسيقى باعتبارها ظاهرة جمالية بالمجتمع والثقافة والسياسية. يرى أدورنو مثلا أن النوتات الموسيقية تتمتع بخاصية جوّانية وخصبة جدا من حيث النوتات الأفقية والعمودية، تتشابه وتختلف في الوقت نفسه. فالأصوات الكثيرة في المقطوعة الموسيقية تتناغم وتتشابك من خلال مصفوفة معقدة من الأصوات المتشابه والمتناقضة في الوقت نفسه. الشاهد هنا قريب من نظرية باختين التي تتحدث عن تعدد الأصوات وتشابكها، ولكن لا وجود لغاية هارمونية في دمج الأصوات المختلفة بقدر ما هي سيمفونية مركبة لا تعتمد فقط على النوتات المتشابهة، بل تقوم على الاختلاف أيضا. ويمثل الطباق حالة انعتاق إبداعية ولغوية وفكرية لا مثيل لها حيث تصبح الأصوات الأفقية ذات أهمية لا تقل جماليا وأسلوبيا عن الأصوات العمودية. ومن خلال ظاهرة الطباق تصبح مسألة فهم الإختلاف في الهوية والتاريخ والثقافة أمرا أكثر جدوى وضرورة وجودية لا يمكن تجاوزها، كما تصبح أنسنة الأدب ضرورة ملحة للقارىء والناقد والكاتب على حد سواء. المهم هنا هو تعدد الأصوات والسرديات والخطاب بكل ألوانه وأطيافه وأعراقه، لتكون القراءة الطباقية أداة نقدية وإبستيمولوجية لتفكيك التناقضات بين الذات والآخر، وبين الذات والعالم، وبين الذات وصورتها الجوانية وتجلياتها الإجتماعية والأيديولوجية والجمالية في الجندر والعرق والهوية ومركب الواقع المتخيل والواقع المفروض.

 

الطباق في التراث العربي:

 

للطباق في سياق البديع دلالات كثيرة تتقاطع مع تلك الموجودة في أدبيات الموسيقى الغربية، ومنها تعريف أورده أبو جعفر الغرناطي في كتاب: طراز العلة وشفاء الغلّة، إذ يقول: ثمة طباق التدبيج وهو يخص الألوان المتضادة كاللون الأبيض والأسود، وهو ضربان: تدبيج كناية وتدبيج تورية. أما طباق التورية فهو مثل الليل والنهار، والتدبيج على الكناية، قول المتنبي:

برغم شبيب فارق السيف كفه     وكانا على العلّات مصطحبان

كأن رقاب الناس قالت لسيفه       رفيقك قيسي وأنت يماني

كان شبيبٌ من الذين خرجوا على كافور، ثم توجه لمدينة دمشق قاصدا غزوها بعد أن حاصرها، وكان شبيب قيسيا، وقد قتل آنذاك، ومن المعروف أن تلك الحقبة شهدت عداوات وحروبا بين قبيلة قيس واليمن. التعريف إذن شبيه بثيمة الجمع بين المتناقضات والإختلافات التي تشكل الهوية وتمنحها القدرة على الجمع بين الأضداد، وفهم جوهر الاختلاف كأداة تصالح لا كفعل إقصاء بين الشعوب المختلفة.

 

الطباق الموسيقي في السياق الأوروبي:

 

تعود لفظة الطباق لتراث كلاسيكي قديم تجلى في الأدب الأوروبي في القرن الرابع عشر، وتعني تشابك الأصوات الموسيقية المتنوعة وتناقضها وتشابهها. اشتق مفهوم الطباق من الكلمة اللاتينية Contrapunctum ثم وظفَ المفهومَ موسيقيا ونقديا أدورنو، ومن بعده تبنى سعيد المفهوم ولكن في سياق مختلف. تبرز هنا صورة الطباق التي تتجلى في الهوية التي لا يمكن اختزالها في قومية أو عرق أو جندر أو تاريخ. في البدء قام أدورنو بدراسة طباقية لنصوص بيتهوفن الموسيقية في سياقها التاريخي والجمالي، وقام بكشف التناقضات المركبة في الإنتاج الموسيقي لبيتهوفن من خلال المأساة الشخصية التي عايشها الأخير. وما قام به سعيد هو التوسل بهذا المصطلح الموسيقي وتوظيفه بصورة نقدية وإبستيمولوجية في تفكيك صورة الهوية القومية الثابتة، والهوية الدينية المؤسساتية، وكل أشكال القمع والإستعمار والهيمنة والمصادرة الثقافية والمعرفية في علاقة الشرق بالغرب وعلاقة الشرق بذاته. ولا بد من التنويه بفكرة "الاختلاف" كضرورة معرفية وتاريخية ووجودية من أجل تأصيل فكر التعايش الثقافي بين الأعراق والهويات المختلفة. هنا يرى سعيد أن فهم العلاقة بين الثقافة والإمبريالية يتجلى بصورة مركبة من خلال القراءة الطباقية، لو استطعنا ادراك التاريخ العابر للهويات والذي لا يختزل في دوغمائية الجغرافيا أو الهوية أو القومية. هنا تتشابك القراءة الطباقية بالهويات الذاتية في سياقها الاستعماري وما بعد الاستعماري، والهيمنة المركزية الأوروبية وكل أنماط السلطة والقهر واستراتيجيات المقاومة. وبعد معاينة الأدب السابق للأسلوب الأخير مرورا بحفريات أدورنو يتبين لنا أن سعيد قام باستعادة هذه اللحظة الأدورنية في توصيفها لتأويل الأسلوب الأخير لدى بيتهوفن لتكون لحظة مفارقة لزمانها أو كما يسميها سعيد لحظة "معاندة ومتناقضة ومضادة للتيار السائد." ربما استمرأت أدبيات الأسلوب الأخير في نموذجها الكلاسيكي صورة الفنان أو الكاتب الذي يصبح فيه بطل الحكاية رمزا للقداسة والإحساس المطمئن للوصول إلى حل المعضلة، كما تجلى في مسرحية شكسبير "العاصفة."

 

الأسلوب الأخير وتجليات الديالكتيك المضاد في مشروع سعيد:

 

الأسلوب الأخير، كما يراه سعيد، صورة متناقضة ومتآلفة في الوقت نفسه من صور المنفى، فكما يحقن أدورنو الماركسية بمصل الديالكتيك المضاد في نزعته التشاؤمية والتي تشي بإرهاصات عدمية تشبه تلك التي تتمظهر في نصوص المعرّي. وبصورة مبسطة فقد شكّل الأسلوب الأخير لدى سعيد منهجية مضادة لكل سرديات الغرب المركزي وإرهاصات الامبريالية، فكان الأسلوب الأخير في شكله ومضمونه صورة طباقية وموقفا راديكاليا لا يمكن أن ينثني عن الجهر بالحق والحقيقة. لكن هذه النزعة تتأجج وتتكثف أكثر في مواجهة تيار الموت، وهنا يعيد أدورنو قراءة الأسلوب الاخير في أعمال بيتهوفن والتي تجعلنا نرى بيتهوفن من خلالها طافحا بذاكرة كارثية وتراجيدية، تتأرجح بين التشابك مع ثيمة الموت والعدم وبين إعادة تأويل الوجود في صورته التي لا يمكن أن تتصالح مع الواقعي أو المتخيل. الأسلوب الأخير يُقحم العمل الفني في تضارب وتضاد ضروري مع الشكل والموضوع، فثمة توتر داخلي في العمل يجعل فكرة المنفى والتخييل في غاية التكثيف والاغتراب والتشابك مع الواقعي بل والتماهي مع صورة الذات المتشظية، وهو ما يفضي إلى نزعة الاحتجاج والمقاومة التي يتحدث عنها سعيد في كثير من أعماله. إنها نزعة رفض للقهر والجبرية الوجودية، ولكنها نزعة إنسانوية موغلة في رفض التماهي مع السياسات والأيديولوجيات الأوروبية في جوهرها المركزي والبراغماتي، والتي سقط في فخها مثقفون كثر ممن جايلهم سعيد في خضم معركته مع الصهيونية وزواجها الكاثوليكي بالحركة النازية، مثل مارتن هايدغر وميشيل فوكو ومن قبلهما إزرا باوند.

 

لكن فكرة الأسلوب الأخير لدى سعيد كانت مرهونة بالبدايات التاريخية والذاتية التي شكلت وعيه بالكارثة وتحولاتها الطباقية لاحقا في ظل أوسلو وخيبة السياسة وسقوط القوميات العربية وتقهقر الذات الجمعية العربية في خضم مشروع العولمة بشقيّه النيوليبرالي والمركزية الأمريكية. ثم تشابك سعيد مع فكرة استمرار تجسيد البدايات السردية والتاريخية من خلال الكتابة النقدية والانتشار المعرفي لكتاباته خارج أسوار الجامعة ودوائرها الضيقة، فكان أسلوبه الأخير، وهو ينازع الموت بعد اكتشافه أنه مصاب بمرض السرطان، مشابها لنبرة المتنبي وهو يجأر بالشعر والتاريخ والكتابة:

بمَ التعلل لا أهلٌ ولا وطن                         ولا نديم ولا كأس ولا سكن؟

أريد من زمني ذا أن يبلغني                    ما ليس يبلغه من نفسه الزمن

لقد تجسدت فكرة الموت بشكل كبير لدى سعيد في أواخر حياته ليس خوفا من حتمية الموت، بقدر ما هي فلسفة الموت في أوج نضوجها لدى سعيد الرائي، وهو يسابق ملاك الموت لكتابة آخر نصوصه "الأسلوب الأخير" وهو يحاوره، ويتفاعل معه، كما يفعل الأبطال الملحميون قبل رحيلهم. لقد اجتمعت في سعيد مأساة القضية الفلسطينية في صورتها الجمعية والذاتية، وفي تقاطعاتها السياسية والجمالية، وأيضا مأساة القضايا الإنسانية الكبرى، والتي تجلت فيها فلسطين صورةً أبدية للمنفى الإنساني، كما يؤكد سعيد في كتابه "بعد السماء الأخيرة." لهذا السبب كان هذا الكتاب سيرتَه الذاتيةَ الأولى. لعل سعيد أدرك قبل نظرائه من المفكرين العرب أن حكاية فلسطين لا يمكن أن تروى من وجهة نظر الجلاد، بل هي ملك شرعي للضحية، وللهامشي ولكل المستلبين على وجه الأرض. إن تجسد فكرة الموت في صورتها الضمنية والمواربة في كتابات سعيد تعبر عن شكل من أشكال سرديات المنفى، والتي تستعيد زمكانها في النص، إذ يصبح النص بديلا جماليا للجغرافيا المسلوبة بواسطة العنف الصهيوني. الكتابة لدى سعيد شكل ملتبس من تمثيلات الذات والآخر، والعالم والتاريخ. الموت مشهد فلسطيني يومي راهن، تحول إلى استعارة ذاتية وجمعية للتعبير عن مأساة التغريبة الفلسطنية، ووعي المنفى الذي يراه سعيد سلما أسطوريا ولحظة وجودية خالصة لكتابة تاريخ الشعب الفلسطيني الذي حولته آلة الحرب الإسرائيلية إلى رواية تحاكي عبثية صامويل بيكيت أو كارثية سرديات أدورنو. لكن فعل الكتابة لدى سعيد هو فعل منفى وشكل من أشكال المقاومة الضرورية وصورة احتجاج ملحمية لإعادة كتابة التاريخ والذات والوطن المتخيل. يقول كورنيل ويست "إن مشروع سعيد كان بطولة ملحمية فكرية استعاد من خلالها سعيد صوت سقراط المناهض للسلطة، والقادر على إحراج السلطة بكل تمثيلاتها، والقابض على جمر الانتساب لكل جراحات هذا العالم، بتعبير ثيولوجي، ليتحرر من أيديولوجية النسب الدوغمائي للجذور ويتبنى الانتساب الطباقي للبدايات. الجذور ثابتة وأورثوذكسية، أما البدايات فهي متحولة وفاعلة ومرتحلة ومتشابكة مع قيم العدالة والمساواة والحرية وإشهار الحق في وجه السلطان.

من خلال هذا المفهوم الطباقي، يبدو أن المنهج الطباقي يشكل ضرورة وجودية وأخلاقية ملحة في التعامل مع الاختلاف والتناقضات التي تفرزها الهويات الهجين والهويات التي تشكلت في المهجر والمنفى. ولا يمكن أن ننسى قصيدة محمود درويش "طباق" والتي رسم من خلالها الهوية الطباقية شعرا ورؤية، مستخدما حوارا سقراطيا متخيلا أجراه بينه وبين سعيد، إذ يقول: 


هل المستحيل بعيد؟

يحب الرحيل إلى أي شيء

ففي السفر الحر بين الثقافات

قد يجد الباحثون عن الجوهر البشريّ

مقاعد كافية للجميع

هنا هامش يتقدم، أو مركز

يتراجع. لا الشرق شرق تماما

ولا الغرب غرب تماما

فإن الهوية مفتوحة للتعدد

لا قلعة أو خنادق

لقد تجلت فكرة المستحيل لدى سعيد المفكر، ولدى درويش الشاعر في نموذج طباقي متعدد الأصوات، وبشكل يحاكي الأصوات المتعددة في طروحات باختين. تلك هي صورة المنفى الذي تصفه جوديث بتلر في انفتاحه على كل الاحتمالات، وهروبه من فكرة المستحيل البعيد. وربما تكمن فكرة الجوهر البشري في القدرة على فهم وعي الهوية الإنسانية القادرة على استيعاب كل الهويات المتناقضة، بين "هامش يتقدم" و "مركز يتراجع." ولأن الهوية انتساب معرفي وروحي ووجداني وجمالي وليست نسبا بيولوجيا مدججا بالقوميات والأيديولوجيات الثابتة، فإنها "مفتوحة للتعدد" وليست "قلعة أو خنادق."


تيسير أبو عودة :

باحث في الأدب المقارن ومترجم من المملكة الأردنية الهاشمية.