قصتان

البنت التي قفزت من السور

 

رسمتُ لها صورة مختلفة في خيالي. تلك الفتاة التي حدثتني عنها صديقتي حصة. تخيلتُها ضئيلة الحجم قمرية الوجه بيضاءَ بإسراف. شعرها قصير ناعم وفاحم مثل شعر اليابانيات. ولكن بلا ملامح محددة. ربما لأن ما أخبرتني به صديقتي يتطلب هذه الأوصاف. فقد ذكرتْ أنها قفزت من فوق سور المنزل الجنوبي إلى الزقاق المظلم بخفّة الرسوم المتحركة، واختفت في ثانيتين. ربما كانت هناك سيارة تنتظرها، أو أنها كانت سريعة بحيث وصلت الشارع الرئيسي وركبت سيارة أجرة. قبل أن يتنبه إلى غيابها أحد. لكن الأكيد أنها هربت من البيت في غفلة من إخوتها الذين كانوا يتناولون مع أصدقائهم العشاء. وأمّها التي كانت تضع الحناء في يديها بعد أن حنّت البنات، بمن فيهم نجاح. أو صباح. أو شيء قريب من ذلك. وفكرت كم يبدو ذلك مثيرا ويفتح أبواب المساء الوجل على احتمالات البهجة. قالت حصة إنها هربت مع رجل يكبرها تجربة بكثير. وربما كان متزوجا. وإنها أحبّته واتفقت معه على الزواج على رغم رفض أهلها له مرتين. نهاد؟ ربما نهاد. أو نجاح. أتذكر أنني أعجبت بالاسم مع أنه لا يوحي بالمغامرة. حين التقيتُ حصة في الجامعة تحدثنا طويلا عن ذكرياتنا المشتركة، بما فيها ليلة اختفاء البنت الشقية ليلة العيد. وأذكر أنها تحمست. حضّري نفسك لمفاجأة، قالت. وأخذتني إلى عيادة الكلية حيث عرّفتني على الممرضة التي طلبت منها قرصا للصداع. قالت لي عند مغادرة العيادة: هذه هي البنت التي اختفت في ذلك اليوم. أعادتها الشرطة إلى منزلها عند الفجر سالمة من كل سوء. وحبسوا الرجل بسبب تغريره بقاصر. وهي متزوجة الآن بغير مَن هربت معه. ولديها طفلان. التفتُّ إلى الوراء. مقطبة الجبين. ورفضتُ أن تكون هذه نجاح. أو صباح. سمراءُ بشعرٍ مصبوغٍ بلون الباذنجان، معقوصٍ خلف الكاب الأبيض بعناية. وطويلة. طويلة أكثر مما ينبغي. مَن تظهر في رأسي بخفة القط وليونة الريش أخرى تختلف تماما. هربتْ مع حبيبها إلى مكان بعيد. وما زالا يتمشيان كل صباح على شاطئ البحر. يطعمان النوارس فتات الحب. ولم تعد إلى بيتها أبدا. كان اسمها سماح. لم أرها ولم أشهد واقعة هروبها. لكنها تتسرب إليّ بوضوح شديد. نعم. سماح. وليست خائفةً على الإطلاق.

 

 

النافذة

 

يستطيع حامد أن يرى تفاصيل حديقة البلدية المنسقة على أكمل وجه حين يستغرق في نافذة غرفته الصغيرة في سكن الموظفين. كل ما عليه فعله هو الوقوف بضع دقائق. يركّز فيها على ما أمامه ليرى كل شيء. ويا للأشياء التي يراها حامد خلف الإطار الأبيض! عاشقان منزويان خلف جذع شجرة. كلبة تخبئ جراءَها عن الأعين. بنتان هاربتان من المدرسة تتدحرجان على العشب اليانع. بل إنه رأى مرّة فتاةً تركض في ممشى الحديقة الطويل بحماس. وحين اقتربت من آخر الممشى تنبّه إلى أنها لم تكن ترتدي حمالة للصدر الذي أخذ راحته معها في الجري بكل حرية وبراءة. يستطيع أن يرى تفاصيلَ مثل هذه وأكثر، حين يقف فترة أطولَ أمام النافذة. يحدق بتركيز أكبر ويرهف السمع. يشهد على ذلك اللحن الذي يترنّم به مقلدا صوت العصافير المهاجرة مطلع نوڤمبر. إنه يفعل ذلك كل صباح مثل صلاة واجبة، قبل أن يذهب إلى عمله. يصفي ذهنه بالخضرة وشغب الكائنات الصغيرة، ويتتبّع نمو الورد في المواسم المختلفة. الأمر الذي يكافئه بفيض من ألوان مبهجة وغريبة، وأحيانا فصائلَ نادرةٍ لا يعرف من أين تأتي بها البلدية. في الأيام التي يصحو فيها حامد متأخرا، ولا يمنح النافذة سوى نظرة خاطفة وهو يرتدي ملابسه على عجل، يصبح مزاجه فاترا وغير مرتاح تماما لما حوله. ينحدر من هضبة البهجة إلى رمل الكآبة الفادحة. لقد اعتاد على ما ينعش حواسه خلف الإطار المعدني الجاف. ويمسح على النهار بيد الخصب السخية التي تلوّن ساعات العمل الطويلة الممتدة إلى الغروب. من دون طقس النافذة يكون كل شيء باهتا. موغلا في ترابيّته المفجعة. بما في ذلك لون السماء واختفاء الخط الفاصل بينها وبين الأرض. على رغم أن غرفته لا تبعد في الواقع عن مقر عمله كثيرا. مساحة نوم صغيرة يتحرك نحو حمّامها الذي يشبه صندوقا غير واضح الشكل. يقطع، في سبع خطوات، مساحة متناهية الصغر كأنها غرفة معيشة. في سكن للموظفين يشبه خلية نحل مستطيلة من الكرَڤانات. في منتصف الصحراء. الغارقة في اللا لون. لا يجرح امتدادها المسرف في الفراغ سوى ضوضاء الحفر تتناوب مطارقُها على سمعه طوال النهار، أو اهتزاز الرمل تحت قدميه، حيث يعمل في مراقبة جودة الإنتاج. في الحقل ٧ لشركة النفط الوطنية.


فاطمة الناهض :

فاطمة الناهض قاصة وروائية من الإمارات العربية المتحدة. من كتبها مجموعة "الحية السرية لغزالة أحمد" القصصية ورواية "القفلة" (٢٠١٤).