ثلاث خرافات

 

(١) البحر والشاطئ

 

كان زوجٌ من المخلوقات المقوّسة التي عاشت في البحر منذ بدء الزمان –ولم يبدأ وقتها منذ فترة طويلة– ملقىً على الشاطئ ذات يوم، فصارا مكتشفَي اليابسة. قالت الأنثى فرحة بينما ترقد على الرمال تحت الشمس: "ذاك الضوء الذي لم يكن موجودا من قبل!"

تشكّى الذكر قائلًا: "لطالما رأيتِ الأشياء التي لم توجد من قبل، ودائمًا ما تريدين الأشياء التي لم تحدث بعد."

أخذ إدراكٌ غامضٌ بالتطور في الأنثى الراقدة على الرمال تحت الشمس مع التكهن، فقد تصورتْ على وجه غامض أشياءَ ستكون في يومٍ ما قماشَ دانتيل مخرّم على هيئة ورود وقماش تفتا، بالإضافة إلى عطور زكية وجواهر؛ أما الذكر الذي لم يعِ سوى الرطوبة والرواسب فغمغم: "أنتِ رطبة قليلًا على أشياء كهذه، رطبة وبلا شكل أيضًا."

ردّت: "أحتاج فقط لخسارة بعض الهلاميّة حول الخصر، ولن يتطلب الأمر أكثر من مليون سنة." ثم بدأت تتلوى وتهتز بشكل بسيط نحو النتوء الصغير فوق الأرض والمتجه إلى الشمس وقالت: "هيّا." لكن الذكر تراجع إلى البحر ورحل.

بعد ذلك بحقبتين، عاد الذكر وهو غير قادر على العيش وحيدًا إلى الظهور على الشاطئ ذات يوم، وقد لاحظ برضا طفيفٍ أن الأنثى بدأت تتشكل وقد قاربت على الاكتمال. التفت مجددًا نحو الشاطئ، ولكن باعثًا أهوجَ بداخله قد أَسَى على رعشة بسيطة من الرغبة. فبدا البحر فجأة شيئًا أقل من المُرضي. فاستدار وبدأ يتلوى ويهتز باتجاه الأنثى التي بدت واثقة من بلوغ المنطقة المخضرة من اليابسة خلال ألفي عام، وقال: "يا ماغ، انتظري الحبيب."

 

العبرة: فلنتأمّل هذه الحقيقة الأساسية المتعلقة بالإنسان: أمام كل رجلٍ امرأة، وليس خلفه.

 

 

(٢) الحقيقة فيما يخص الضفادع

 

في منتصف ليلة صيفية بنادي الوَحِيش[1]، شرع بعض أعضاء النادي بالتفاخر، وذلك كلًا على حدة بحسب ميزته الفريدة أو إنجازه.

قال ببغاء الماكاو مفاخرا: "أنا الماكاو الحقيقي."

قال الغراب المتكئ على البار: "حسنًا يا ماك، هدئ من روعك."

قال سمك المرلين: "كان عليكم أن تروا ما هربتُ منه، فلا بد أنه يزن مائتين وخمسا وثلاثين رطلا على الأقل."

تفاخر الديك قائلًا: "لولاي لما أشرقت الشمس، ولم تهدأ رغبة الليل بالغد." ثم مسح دمعة وأردف: "لولاي لما استيقظ أحد."

فذكّره اللقلق مزهوًا: "لولاي لما كان هناك أحد موجود."[2]

غرّد أبو الحناء: "أنا أخبرهم متى يحل الربيع."

قال القنفذ: "وأنا أخبرهم متى ينتهي الشتاء"

قالت الدودة الوبراء: "أنا أخبرهم كم سيطول الشتاء."

قال العنكبوت: "أنا أتأرجح ببطء حين تقترب عاصفة ما، ولولا ذلك لما كانت العاصفة ستأتي ولمات الناس من القحط."

انضم الفأر للمشهد قائلًا: "تعلمون التشبيه المشهور ‘لم يتحرك أي مخلوق، ولا حتى فأر’"، ثم اعترته نوبة فُواق وقال: "حسنًا أيها السادة، ذلك الفأر العجوز المذكور هو أنا بصغري وكِبَري في السن."

"هدوء!" نعق الغراب الذي كان يكتب لوحة، ثم علقها على البار. كان المكتوب في اللوحة: "افتح أكثر القلوب وستجد الخيلاء منحوتًا فيها."

حدّق أعضاء نادي الوحيش في اللوحة، ثم قال القط: "ربما يقصد الذئب، الذي يظن أنه اكتشف روما."

قال الفأر: "أو ربما النسر الذهبي، الذي يظن أنه مخلوقٌ من ذهب."

قال سمك المرلين: "أو ربما الخروف، الذي يظن أن الناس لن يناموا إلى أن يعدّوا الخراف."

صعد الضفدع إلى البار وطلب مزيج النعناع الأخضر المثلج مع يراعةٍ.

حذره النادل: "سيجعل اليراع رأسك خفيفًا[3]."

قال الضفدع: "لست كذلك، فلا شيء يستطيع أن يجعلني خفيف الرأس، لدي جوهرة ثمينة في رأسي." حدق فيه أعضاء النادي بنظرات يشوبها التكذيب.

قال النادل وهو يبدي ابتسامة عريضة: "نعم، نعم؛ إنه حجر التود-باز، أليس كذلك يا هوبي[4]؟"

رد الضفدع ببرود بينما يزيل اليراع من شرابه المثلج ويبتلعه "إنها زمردة جميلة جدًا، ولا تقدر بثمن؛ بل أنها أغلى من ذلك. إليّ بالمزيد."

قدم النادل قدحًا آخر من شراب النعناع الأخضر المثلج، لكنه وضع بزاقة بدلًا من يراعة.

قال الماكاو: "لا أظن أن لدى الضفدع جوهرة ثمينة في رأسه."

"بل أظن ذلك"، رد القط، "لا يمكن أن يكون أحد بهذه البشاعة ويحيا إلا لأنه يملك زمردة في رأسه."

قالت البجعة: "أراهنكم بمئة سمكة أنه لا يملك."

قال الطيطوى: "أراهنكم بمئة محارة أنه يملك."

كان الضفدع الذي امتزج رأسه جيدًا هذه المرة ساقطًا أرضًا، واجتمع أعضاء النادي للمناظرة حول كيفية معرفة ما إذا كان في هذا الرأس زمردة أو حجر كريم غيره. نادوا نقار الخشب من الغرفة الخلفية وشرحوا له ما جرى. قال نقار الخشب: "إن لم يملك فتحة في رأسه فسأجعل له واحدة."

لم يكن هناك أي شيء مشع أو جميل أو ثمين. أطفأ النادل الأضواء، وصاح الديك، وأشرقت الشمس، وذهب جميع أعضاء النادي إلى بيوتهم للنوم.

 

العبرة: افتح أغلب الرؤوس ولن تجد فيها ما يشعّ؛ ولا حتى عقلًا.

 

 

 

(٣) الفراشة والدعسوقة وطائر الفيبي

 

طار فيبي يصيد العديد من الحشرات لعش مليء بالفراخ ذات يوم كي يوفر العشاء لعائلته، ووجد دعسوقة في رحلة عصيبة.

قالت الدعسوقة: "أعلم أنك تستطيع صيد أي شيءٍ أصغر من كرة الغولف وأبطأ من الصوت، لأنك أسرع صيادي الحشرات؛ لكن منزلي يحترق، وسيحترق أطفالي ما لم أطِرْ عائدة إلى البيت."

ترك الفيبي –الذي طالما كان مذنبًا بعض الأحيان بكونه قد تمنى بيته محترقًا– الدعسوقة وشأنها، ثم صرف انتباهه إلى فراشة جميلة.

سأل الفيبي: "هل منزلك يحترق وأطفالك يوشكون على الاحتراق؟"

ردت الفراشة: "لا شيء أكثر تعلقًا بالدنيا من كل ذلك، فليس لدي أطفال ولا منزل، لأنني ملاكٌ كما يعلم الجميع." ثم نفضت جناحيها تجاه العالم من حولها قائلة: "هذه هي الجنة."

صرخ الفراخ بصوت واحد: "هذه هي الجنة" حين حصلوا على الفراشة كطبق حلوى في تلك الليلة.

 

العبرة: على مَن تتمشى في الجنة بلا سلاح أن تتأكد أولًا من أنها في الجنة.

 

 

 


[1] وَحِيش في اللغة العربية: مجموعةُ الحيواناتِ في إقليمٍ أو زَمَنٍ مُعَيَّن.

[2] في العوائل الغربية، يشرح الآباء لأطفالهم كيف جاؤوا إلى هذا العالم بالتبسيط عن طريق كيس يحمله لقلق، وذلك تفاديًا لذكر العملية الجنسية.

[3]  كناية عن الطيش الذي يعقبه الثمل، ويوجد معنى قاموسي لكلمة lighthead لولا أن ثقل الرأس وخفته لهما شأن فيما سيلي من القصة، فلجأت إلى ترجمتها حرفيًا. 

[4]  تنويع لغوي على حجر التوباز (الياقوت الأصفر) الكريم، ويقصد بها التندر على كلمة تود (ضفدع =Toad ) التي تشكل المقطع الأول. أما "هوبي" فهو أحد مسميات الضفدع الأمريكي "ضفدع الهوبي".


جيمس ثيربر :

جيمس ثيربر (١٨٩٤- ١٩٦١) كاتب وصحفي ورسام كاريكاتور أمريكي، أشهر أعماله قصة "الحياة السرية لوولتر ميتي" القصيرة.